ثم إن هذه الوجوه المرسلة مضطربة المتون مما يزيد في ضعفها، ففي بعضها ((شيبتني فصلت وأخواتها))، وفي بعضها ((هود وإذا الشمس كورت))، وفي بعضها ((هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت))، فهذا يدل على أن هذا الحديث أصله واحد وهو مرسل فتناقلته الرواة فأرسلوه لأن الإرسال أحياناً يكون قضية مشتهرة في مكان ما ثم ينتشر بين الرواة فيرسلونه فتكثر هذه المراسيل، ولهذا جاء تحديد السور في بعض الروايات وفي البعض الآخر عبر الرواة عنها بقولهم "وأخواتها"، فكيف حدد بعض الرواة أخوات هود؟!
5 - قوله: "ولذلك حسّن الترمذي الحديث، مع كونه عرض لذكر علله والاختلاف فيه".
قلت: ظاهر كلام الدكتور حاتم أن الترمذي حسّن الحديث من أجل هذه الطرق المرسلة عند ابن سعد، وليس كذلك، فكيف يحسن الترمذي الحديث وهو كما قال الدكتور قد عرض لعلله والاختلاف فيه!
والصحيح أن الترمذي لم يحسن الحديث كما قال الدكتور، بل قال فيه: "حسن غريب لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه"، فالترمذي لم يحسنه بل أشار إلى غرابته من طريق ابن عباس؛ لأن الصحيح فيه مرسل ليس فيه ابن عباس.
والترمذي -رحمه الله- لا يقول "حسن غريب" في الحديث الحسن لأن الحسن هكذا مفرداً عنده يعني أنه يحتج به، وهو لم يقل إنه حسن، بل أضاف إليه الغرابة، وهذا المصطلح "حسن غريب" لا يقوله الترمذي إلا إذا كان متردداً في الحكم على الحديث! والله أعلم.
6 - قوله: "ومما يستأنس به ما صح عن العالم الزاهد ... ".
قلت: يميل الدكتور هنا إلى تدعيم تصحيحه للحديث بهذا المنام الذي ذكره، وفي هذا ما فيه! فالمنامات لا تصلح لأن يستأنس بها وخاصة إذا كانت في مسألة الحكم على الأحاديث.
والخلاصة أن هذا الحديث منكر سنداً ومتناً، أما سنداً فإنه لم يصح إلا مرسلاً من طريق أبي إسحاق وهو مدلس فاضطرب فيه.
وأما متناً فإنه معارض بالأحاديث الصحيحة فقد ثبت عن أنس وغيره من الصحابة أنهم نفوا أن يكون صلى الله عليه وسلم قد أصابه الشيب، فسئل أنس عن ذلك؟ فأخبر أنه كان في رأسه ولحيته صلى الله عليه وسلم شعرات إذا عدها العاد لم تتجاوز عشرة أو عشرين، ومن كان هذا حاله هل نستطيع أن نقول عنه أنه قد شاب؟!
فحديث "شيبتني هود" صريح في أن الشيب كان ظاهراً وبادياً لكل من يرى النبيّ صلى الله عليه وسلم لأنه إخبار عن حال، وقد نفى الصحابة ذلك كما جاء في الأحاديث الصحيحة، والحمد لله.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه.
وكتب، خالد الحايك.
1428هـ.