وأَتَى شريك بن عبدالله رجل من أَصْحَاب الحَدِيث لَهُ عَن أَطْرَاف كَانَت مَعَه، وكان ذلِك فِي يَوْم صَائِف وَأكْثر على شريك وَثقل عَلَيْهِ، فصاح شريك: "يا جَارِيَة تعَالَي اسبلي السّتْر، واحرقي الذُّبَاب".
·…طلب بعض الشيوخ بأن يكون المستملي ليس ثقيلاً:
وقد يكون المستملي نفسه ثقيلاً، وهو الذي يستملي على الشيخ، وكان بعض الشيوخ يطلبون أن يكون المستملي ليس ثقيلاً.
قال سَلمَة بن شبيب: سَمِعت أَبَا أُسَامَة يَقُول: "إيتوني بمستمل خَفِيف عَن اللِّسَان، خَفِيف على الْفُؤَاد، إيَّايَ والثقلاء، إيَّايَ والثقلاء".
·…كيفية تعامل أهل الحديث مع الثقلاء:
وقد اختلف تعامل شيوخ الحديث مع أمثال هؤلاء الثقلاء:
1 - فمنهم من كان يصبر على هؤلاء الثقلاء فلا ينهرهم كما كان طاوس - رحمه الله- مع أبي أمية وليث.
2 - ومنهم من كان لا يصرّح بثقلهم بل يُعرِّض بهم بالقول:
قال أَبُو غَسَّان بن ربيع بن سَلمَة: كان مُحَمَّد بن سِيرِين إِذا اثقل عَلَيْهِ رجل لم يذكر ذلِك إِلَيْهِ، وَيَقُول: "نَعُوذ بِاللَّه من قرين السوء وجليس السوء".
3 - ومنهم من كان يحذِّر هؤلاء الثقلاء وإلا منعهم من حضور مجلسه أو يصرّح له بأنه ثقيل:
قال مالك بن يحيى بن سعيد لإِنْسَان يُكثر الْكَلَام في مجلسه: "إِمَّا أَن تحسن مَجْلِسنَا، وإِمَّا أَن تقوم".
وكانَ رجل يتَكَلَّم عِنْد شريك فيكثر، فقال لهُ شريك: "كراكرّ إن سخت، مَا أثقلك مَا أثقلك".
وقال أَبُو حَاتِم السجسْتانِي: قالَ رجل لِلشَّعْبِيِّ: مَا زلت فِي طَلَبك، فقالَ الشّعبِيّ: "وما زلت مِنْك فارًّا".
وقال أبو الْعَبَّاس: سَمِعت مشكان يقول: قلت لأبي أُسَامَة، أَنت والله ثقيل، قال: زد فِيهَا ووخم.
4 - ومنهم من كان يُعرض عنهم، ولا يلتفت إليهم:
قال عبدالله بن صَالح بن مُسلم عَن جنار قَالَ: كُنَّا نأتي سماك بن حَرْب نَسْأَلهُ عَن الشّعْر، ويأتيه أَصْحَاب الحَدِيث، فيدعهم وَيقبل علينا، وَيَقُول: "إِن هؤُلَاءِ ثقلاء".
وقال عُثْمَان بن عبدالله الْقرشِي عَن إِبرَاهِيم بن مُحَمَّد قال: كُنَّا نعرض على أبي عَتيق الْعرض، فَرُبمَا غمض عَيْنَيْهِ، فنمسك عَن العرض! فيقول: مَا لكم؟ فنقول: ظنناك نَائِما! فيقول: "لا، ولكِن مر بِنَا من أستثقله، فغمضت عَيْني كَرَاهِيَة أَن أرَاهُ".
5 - ومنهم من كان يضجر من هؤلاء الثقلاء في مجالسهم فيهرب منهم:
قال أَحمد بن زهيْر: بَلغنِي عَن شُعَيْب بن حَرْب أَنه قال: قالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: "إِنَّه ليَكُون فِي المجْلس عشرَة كلهم يخف عَليّ فَيكون مِنْهُم الرجل استثقله فيثقلون عَليّ".
وعَن ابن ادريس قال: كنت أَمْشِي مَعَ الْأَعْمَش فمررنا بِجَمَاعَة، فقالَ أَحدهمَا للْآخر الَّذِي يَلِيهِ: من هذا؟ قال: سُليمَان الْأَعْمَش، فقالَ الْأَعْمَش: "فقدتكما وفقدت الْأَعْمَش من أجلكما".
وعن قيس بن الرّبيع قال: كُنَّا عِنْد الْأَعْمَش، فدخل الثقال علينا، فمَا لبث أَن خرج ثمَّ رَجَعَ، فقالَ: "فرَرْت مِنْكُم إِلَى الْبَيْت فإِذا ثمَّ من هُوَ أثقل مِنْكُم فَرَجَعت إِليكُم" - يَعْنِي زوج ابْنَته.
وروى إبرَاهِيم بن بشار الرَّمَادِي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة قال: "كان الأَعْمَش يدع أَصْحَاب الحَدِيث وَيذْهب إِلى حائك فِي جواره يحدثه استثقالا مِنْهُ لهُم".
·…أسباب عدم إكثار بعض الرواة السماع من بعض الشيوخ:
1 - أن يكون الشيخ محاطاً ببعض الضعفاء ممن يُستثقلون ويشوشون مجلس الشيخ بكثرة سؤالاتهم ومشاغباتهم وكلامهم.
قال سفيان بن عيينة: قلت لأيوب، يا أبا بكر ما منعك أن تسمع من طاووس، يعني تُكثر عن طاووس؟ قال: «جئت إليه فرأيته بين ثقيلين: ليث بن أبي سليم وعبدالكريم أبي أمية، فرجعت وتركته».
2 - إذا كان الشيخ ممن يخلط في الحديث ولا يأتي به على وجهه الصحيح.