# فقال: لا، والله يا رسول الله، ولا خاتم من حديد، ولكن هذا إزارى - قال سهل ما له رداء - فلها نصفه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما تصنع بإزارك؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شىء، وإن لبسته لم يكن عليك منه شىء "، فجلس الرجل، حتى إذا طال مجلسه قام، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم موليا، فأمر به فدعى. فلما جاء قال: " ماذا معك من
قيمته أقل من درهم، وهو قول الشافعى وربيعة وأبى الزناد وابن أبى ذئب ويحيى بن سعيد، والليث بن سعد ومسلم بن خالد الزنجي، وسفيان الثورى والأوزاعى وابن أبى ليلى وداود، وفقهاء أصحاب الحديث، وابن وهب من أصحابنا، مع استحباب بعضهم أن يكون ماله بال.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: أقله عشرة دراهم. وقال ابن شبرمة: أقله خسمة دراهم، اعتبارا - أيضا - بالقطع فى السرقة عندهما. وكره النخعى أن يتزوج بأقل من أربعين، وقال مرة: عشرة. قال بعض المالكية: وقوله: " ولو خاتما من حديد " على طريق المبالغة لا التحديد؛ لقوله أولا: " لا أجد شيئا " وإنما المراد بقوله: التمس شيئا أكثر قيمة من خاتم الحديد؛ إذ نفى الرجل أن يجد شيئا، ولا ما هو أقل من خاتم الحديد، وقال بعضهم: لعله إنما طلب منه ما يقدمه لا أن يكون جميع مهره خاتم الحديد، وهذا يضعفه أن مذهب مالك استحباب تقديم ربع دينار لا أقل.
قالوا: وفيه دليل على جواز اتخاذ خواتم الحديد. وقد اختلف السلف والعلماء فى ذلك، فأجازه بعضهم إذ لم يثبت النهى فيه. ومنعه آخرون وقالوا: كان هذا قبل النهى، وقول النبى صلى الله عليه وسلم فيه: " حلية أهل النار ".
قالوا: ومطالبته له بذلك فى الحين، يدل أن من حكمه تعجيله أو تعجيل ما يصح أن يكون مهرا، ولو ساغ تأخير جميعه لسأله: هل ترجو أن تكسب فى المستقبل شيئا أو تجده؟ ويزوجه على ذمته.
وقوله: لا أجد إلا إزارى وقول النبى صلى الله عليه وسلم: " ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شىء "، وفى الرواية الأخرى: " جلست لا إزار لك ": دليل على أن إصداق المال تخرجه من يد مالكه، وأن من أصدق جارية حرمت عليه. وفيه أن الأثمان المبيعات لا تصح إلا بصحة تسليمها أو إمكانه، فمتى لم يمكن ذلك وامتنع لم ينعقد فيه بيع ولا به، سواء كان امتناع ذلك حسا كالطير فى الهواء، والحوت فى الماء، والآبق والشارد، أو شرعا كالمرهون، ومثل هذا الذى لو أزال إزاره انكشف.