تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

42.20-23

﴿ من كان يريد حرث الآخرة ﴾ بقوة إرادته وشدة طلبه لزيادة نصيب اللطف وتوجهه وإقباله إلى الحق لحيازة القرب ﴿ نزد له ﴾ في نصيبه، فنصلح حال آخرته ودنياه لأن الدنيا تحت الآخرة وظلها ومثالها وصورتها تتبعها ﴿ ومن كان يريد حرث الدنيا ﴾ وأقبل بهواه إلى جهة السفل وتعلق همه بزيادة نصيب القهر وبعد عن الحق ﴿ نؤته منها ﴾ ما هو نصيبه وما قسم له وقدر لا مزيد عليه ﴿ وما له في الآخرة من نصيب ﴾ لإعراضه عنها وعقد همه بالأدون ووقوفه معه وجعله حجابا للأشرف وإدباره عن النصيب الأوفر، فلا يتهيأ لقبوله ولا يستعد لحصوله إذ الأصل لا يتبع الفرع.

﴿ قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ﴾ استثناء منقطع وفي القربى متعلق بمقدر أي: المودة الكائنة في القربى. ومعناه: نفي الأجر أصلا لأن ثمرة مودة أهل قرابته عائدة إليهم لكونها سبب نجاتهم، إذ المودة تقتضي المناسبة الروحانية المستلزمة لاجتماعهم في الحشر، كما قال عليه الصلاة والسلام:

" المرء يحشر مع من أحب "

فلا تصلح أن تكون أجرا له ولا يمكن من تكدرت روحه وبعدت عنهم مرتبته محبتهم بالحقيقة، ولا يمكن من تنورت روحه وعرف الله وأحبه من أهل التوحيد أن لا يحبهم لكونهم أهل بيت النبوة ومعادن الولاية والفتوة محبوبين في العناية الأولى، مربوبين للمحل الأعلى فلا يحبهم إلا من يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ولو لم يكونوا محبوبين من الله في البداية لما أحبهم رسول الله إذ محبته عين محبته تعالى في صورة التفصيل بعد كونه في عين الجمع وهم الأربعة المذكورون في الحديث الآتي بعد، ألا ترى أن له أولادا آخرين وذوي قرابات في مراتبهم كثيرين لم يذكرهم ولم يحرض الأمة على محبتهم تحريضهم على محبة هؤلاء وخص هؤلاء بالذكر.

روي أنها لما نزلت قيل:

" يا رسول الله! من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: " علي وفاطمة والحسن والحسين وأبناؤهما "

ثم لما كانت القرابة تقتضي المناسبة المزاجية المقتضية للجنسية الروحانية كان أولادهم السالكون لسبيلهم، التابعون لهديهم في حكمهم، ولهذا حرض على الإحسان إليهم ومحبتهم مطلقا ونهى عن ظلمهم وإيذائهم ووعد على الأول ونهى عن الثاني. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

" حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غدا إذا لقيني يوم القيامة "

وقال عليه السلام:

" من مات على حب آل محمد مات مغفورا له، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائبا، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا، ألا ومن مات على حب آل محمد مات شهيدا مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير، ألا ومن مات على حب محمد وآل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنة، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه: آيس من رحمة الله، ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافرا، ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة ".

﴿ ومن يقترف حسنة ﴾ بمحبة آل الرسول ﴿ نزد له فيها حسنا ﴾ بمتابعته لهم في طريقتهم لأن تلك المحبة لا تكون إلا لصفاء الاستعداد وبقاء الفطرة، وذلك يوجب التوفيق لحسن المتابعة وقبول الهداية إلى مقام المشاهدة، فيصير صاحبها من أهل الولاية ويحشر معهم في القيامة ﴿ إن الله غفور ﴾ بتنويره ظلمة صفات من أحب أهله ﴿ شكور ﴾ لسعي من ناسبهم فيحبهم بتضعيف جزاء حسناته وإفاضة كمالاته بتجليات صفاته ليوافقهم.

تفسير القرآن · الصفحة ٤٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير القرآنص ٤٩٧