تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

41.19-29

﴿ حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم ﴾ أي: غيرت صور أعضائهم وصورت أشكالها على هيئة الأعمال التي ارتكبوها، وبدلت جلودهم وأبشارهم، فتنطق بلسان الحال، وتدل بالأشكال على ما كانوا يعملون. ولنطقها بهذا اللسان قالت: ﴿ أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء ﴾ إذ لا يخلو شيء ما من النطق، ولكن الغافلين لا يفهمون ﴿ وقضينا لهم قرناء ﴾ أي: قدرنا لهم أخدانا وأقرانا من شياطين الإنس والجن من الوهم والتخيل لتباعدهم من الملأ الأعلى، ومخالفتهم بالذات للنفوس القدسية والأنوار الملكوتية بانغماسهم في المواد الهيولانية، واحتجابهم بالصفات النفسانية، وانجذابهم إلى الأهواء البدنية والشهوات الطبيعية، فناسبوا النفوس الأرضية الخبيثة، والكدرة المظلمة، وخالفوا الجواهر القدسية والذاوت المجردة، فجعلت الشياطين أقرانهم وحجبوا عن نور الملكوت ﴿ فزينوا لهم ما بين أيديهم ﴾ ما بحضرتهم من اللذات البهيمية والسبعية والشهوات الطبيعية ﴿ وما خلفهم ﴾ من الآمال والأماني التي لا يدركونها ﴿ وحق عليهم القول ﴾ في القضاء الإلهي بالشقاء الأبدي كائنين ﴿ في أمم قد خلت من قبلهم من ﴾ المكذبين بالأنبياء والمحجوبين عن الحق من الباطنيين والظاهريين ﴿ إنهم كانوا خاسرين ﴾ لخسرانهم نور الاستعداد الأصلي، وربح الكمال الكسبي، ووقوعهم في الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي.

﴿ ربنا أرنا الذين أضلانا ﴾ أي: حنق المحجوبين واغتاظوا على من أضلهم من الفريقين عند وقوع العذاب وتمنوا أن يكونوا في أشد من عذابهم وأسفل من دركاتهم لما لقوا من الهوان وألم النيران وعذاب الحرمان والخسران بسببهم وأرادوا أن يشفوا صدورهم برؤيتهم في أسوأ أحوالهم وأنزل مراتبهم، كما ترى من وقع في البلية بسبب رفيق أشار إليه بما أوقعه فيها يتجرد عليه ويتغيظ ويكاد أن يقع فيه مع غيبته ويتحرق.

تفسير القرآن · الصفحة ٤٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير القرآنص ٤٨٩