تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

28.15-19

﴿ ودخل ﴾ مدينة البدن ﴿ على حين غفلة من أهلها ﴾ أي: في حال هدو القوى النفسانية وسكونها حذرا من استيلائها عليه وعلوها ﴿ فوجد فيها رجلين يقتتلان ﴾ أي: العقل والهوى ﴿ هذا ﴾ أي: العقل ﴿ من شيعته وهذا ﴾ أي: الهوى ﴿ من عدوه ﴾ من جملة أتباع شيطان الوهم وفرعون النفس الأمارة ﴿ فاستغاثه ﴾ العقل واستنصره على الهوى ﴿ فوكزه ﴾ ضربه بهيئة من هيئات الحكمة العملية بقوة من التأييدات الملكية بيد العاقلة العملية فقتله ﴿ قال هذا ﴾ الاستيلاء والاقتتال ﴿ من عمل الشيطان ﴾ الباعث للهوى على التعدي والعدوان ﴿ إنه عدو مضل مبين ﴾ أو هذا القتل من عمل الشيطان، لأن علاج الاستيلاء بالإفراط لا يكون بالفضيلة التي هي العدالة الفائضة من الرحمن بل إنما يكون بالرذيلة التي يقابلها من جانب التفريط كعلاج الشره بالخمود وعلاج البخل بالتبذير والإسراف بالتقتير كلاهما من الشيطان ﴿ إني ظلمت نفسي ﴾ بالإفراط والتفريط ﴿ فاغفر لي ﴾ استر لي رذيلة ظلمي بنور عدلك ﴿ فغفر له ﴾ صفات نفسه المائلة إلى الإفراط والتفريط بنوره، فحصلت له العدالة ﴿ إنه هو الغفور ﴾ الساتر هيئات النفس بنوره ﴿ الرحيم ﴾ بإفاضة الكمال عند زكاء النفس عن الرذائل.

﴿ قال رب بما أنعمت علي ﴾ أي: اعصمني بما أنعمت علي من العلم والعمل ﴿ فلن أكون ظهيرا ﴾ معاونا ﴿ للمجرمين ﴾ المرتكبين الرذائل من القوى النفسانية ﴿ فأصبح ﴾ في مدينة البدن ﴿ خائفا ﴾ من استيلاء القوى النفسانية بإشارة الدواعي والهواجس وإلقاء أحاديث النفس والوساوس في مقام المراقبة ﴿ يستصرخه ﴾ أي: يستنصره العقل على أخرى من قوى النفس وهي الوهم والتخيل لأنهما يفسدان في مقام الترقب، ويثيران الوساوس والهواجس ويبعثان النوازع والدواعي ولا ينكسران ولا يفتران في حال ما من أحوال وجود القلب إلا عند الفناء في الله، ألا ترى إلى معارضته ومماراته له في قوله: ﴿ إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين ﴾ وإنما نسب صاحبه الذي هو العقل بقوله: إنك لغوي، لافتتانه بالوهم وعجزه عن دفعه واحتياجه في معارضته إلى القلب، وإنما أراد أن يبطش ولما تيسر له البطش، ومانعه وأنكر فعله، بقوله: أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس؟، لأن القلب ما لم يصل إلى مقام الروح ولم يفن في مقام الولاية، ولم يتصف بالصفات الإلهية لم يذعن له شيطان الوهم لأنه من المنظرين إلى يوم القيامة الكبرى، فما دام القلب في مقام الفتوة متصفا بكمالاته في القيامة الوسطى يطمع هو في إغوائه ولا ينقهر ولا يمتنع بمجرد الكمال العلمي والعملي عن استعلائه.

تفسير القرآن · الصفحة ٤١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير القرآنص ٤١٥