تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

26.61-82

فلما أتبعهم فرعون النفس في التلوينات حاشرا جنوده من مدائن طبائع الأعضاء، حاذرا من ذهاب رياسته وملكه، ممتلئا من غيظ تسلط القلب واتباعه واستيلائه على مملكته وأعوانه، فكادوا أن يظفروا بهم، ضرب موسى القلب بأمر الحق عند تقابلهما وتعارضهما بعصا القوة القدسية البحر الهيولاني فانفلق إلى الحقوق والحظوظ ونجا موسى وقومه بطريق التجريد وأخرج أعداءهم بالمنع عن الحظوظ والإجبار على الحقوق من جنات اللذات النفسانية وعيون أذواقها وأهوائها وكنوز مدخراتها وأسبابها ومقام الركون إلى مشتهياتها إلى أن خرج موسى وأهله من البحر بالمفارقة وغرق فرعون النفس وقومه أجمعون.

﴿ ما تعبدون ﴾ كل من عكف على شيء يهواه ويحبه ويتولاه فهو عابد له، محجوب به عن ربه، موقوف معه عن كماله، وذلك عدو الموحد، إذ الغير لا يوجد عنده إلا في التوهم. فالباعث على عبادته الشيطان والغالب على عابده الظلم والعدوان، ولا يضر غير الحق في شهوده ولا ينفع ولا يبصر بنفسه ولا يسمع لأنه يشهد الحق قائما على كل نفس بما تفعل وأيدي الأفعال كلها في حضرة أسمائه منه تصدر، كما قال عليه السلام: ﴿ الذي خلقني فهو يهدين ﴾ ﴿ والذي هو يطعمني ويسقين ﴾ إلى آخره، فهو الخالق والهادي والمطعم والساقي والممرض والشافي والمميت والمحيي، ويقرر هذا المعنى قوله:

أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون

[الشعراء، الآيات:92 - 93] إلى قوله:

فما لنا من شافعين ولا صديق حميم

[الشعراء، الآيات:100 - 101]، ولما كان هذا المقام مقام الفناء وذنبه لا يكون إلا بوجود البقية، خاف ذنب حاله، ورجا غفرانه منه بنور ذاته فقال: ﴿ والذي أطمع أن يغفر في خطيئتي يوم الدين ﴾ أي: القيامة الكبرى ولا يجازيني من ظهور البقية بالحرمان.

تفسير القرآن · الصفحة ٣٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير القرآنص ٣٩٩