تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9.111

﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ﴾ لما هداهم إلى الإيمان العلمي وهم مفتونون بمحبة الأموال والأنفس استنزلهم لفرط عنايته بهم عن مقام محبة الأموال والأنفس بالتجارة المربحة والمعاملة المرغوبة بأن جعل جنة النفس ثمن أموالهم وأنفسهم ليكون الثمن من جنس المثمن الذي هو مألوفهم لكنه ألذ وأشهى وأرغب وأبقى، فرغبوا فيما عنده وصدقوا لقوة اليقين وعده.

9.112-114

ثم لما ذاقوا بالتجرد عنها لذة الترك وحلاوة نور اليقين رجعوا عن مقام لذة النفس وتابوا عن هواها ومشتهياتها فلم يبق عندهم لجنة النفس قدر، فوصفهم بالتائبين بالحقيقة الراجعين عن طلب ملاذ النفس وتوقع الأجر إليه، العابدين الذين إذا رجعوا عن محبة النفس والمال وطلب الأجر والثواب، عبدوا الله حق عبادته لا لرغبة ولا لرهبة بل تشبها بملكوته في القيام بحقه تعالى بالخضوع والخشوع والتذلل لعظمته وكبريائه تعظيما وإجلالا ثم حمدوا الله حق حمده بإظهار الكمالات العملية الخلقية والعملية المكنونة في استعداداتهم بالقوة حمدا فعليا حاليا ثم ساحوا إليه بالهجرة عن مقام الفطرة ورؤية الكمالات الثابتة وتآلفهم واعتدادهم وابتهاجهم بها في مفاوز الصفات ومنازل السبحات ثم ركعوا في مقام محو الصفات ثم سجدوا بفناء الذات، ثم قاموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمحافظة على حدود الله في مقام البقاء بعد الفناء ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ بالإيمان الحقيقي المقيمين في مقام الاستقامة.

﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ﴾ إلى آخره، أي: لما اطلعوا على سر القدر ووقفوا على ما قضى الله وقدر، وعلموا بما ينتهي إليه عواقب الأمور، لم يكن لهم أن يطلبوا خلاف ذلك ورضوا بما دبر الله من أمره وإن كان في طبيعتهم ما يقتضي خلافه لأنهم قد انسلخوا عن مقتضيات طباعهم فإن اقتضت القرابة الطبيعية واللحمة الصورية فرط شفقة ورقة على بعض من يناسبهم ويواصلهم فيها وشاهدوا حكم الله عليه بالقهر والتعذيب، حملتهم الحمية الدينية على الصبر إن لم يكن لهم مقام الرضا بل غلبتهم المباعدة الدينية على القرابة الطبيعية فتبرؤوا منه ولم يقترحوا على الله خلاف حكمته وأمره ولهذا قيل: لا تؤثر همة العارف بعد كمال عرفانه أي إذا تيقن وقوع كل شيء بقدره وامتناع وقوع خلاف ما قدر الله في الأزل علم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا تؤثر همته ولا غيرها في شيء، فلا يسلط همته على أمر بخلاف المحجوب الذي ينسب التاثير إلى غير الله ولا يعلم سر القدر.

تفسير القرآن · الصفحة ٢١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير القرآنص ٢١٣