تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9.103-106

ولما وفقوا للقسم الأول ببركة صحبة الرسول وتزكيته إياهم وتربيته لهم قال: ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ إذ المال هو سبب ظهور النفس وغلبة صفاتها ومدد قواها ومادة هواها كما قال عليه الصلاة والسلام:

" المال مادة الشهوات "

فينبغي أن يكون أول حالهم التجرد عن الأموال لتنكسر قوى النفس وتضعف أهواؤها وصفاتها، فتتزكى من الهيئات المظلمة التي فيها وتتطهر من خبث الذنوب ورجس دواعي الشيطان وذلك معنى قوله: ﴿ تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم ﴾ بإمداد الهمة وإفاضة نور الصحبة عليهم ﴿ إن صلاتك سكن لهم ﴾ أي: إن نورك الذي تفيض عليهم بالتفات خاطرك إليهم وقوة همتك وبركة صحبتك سبب نزول السكينة فيهم تسكن قلوبهم إليه وتطمئن. والسكينة نور مستقر في القلب يثبت معه في التوجه إلى الحق ويتقوى اليقين ويتخلص عن الطيش بلمات الشيطان ووساوسه وأحاديث النفس وهواجسها لعدم قبوله لها حينئذ ﴿ والله سميع ﴾ يسمع تضرعهم واعترافهم بذنوبهم ﴿ عليم ﴾ يعلم نياتهم وعزائمهم وما في ضمائرهم من الندم والغم.

9.107-110

﴿ لمسجد أسس على التقوى ﴾ لما كان عالم الملك تحت قهر عالم الملكوت وتسخيره لزم أن يكون لنيات النفوس وهيئاتها تأثير فيما يباشرها من الأعمال فكل ما فعل بنية صادقة لله تعالى عن هيئة نورانية صحبته بركة ويمن وجمعية وصفا، وكل ما فعل بنية فاسدة شيطانية عن هيئة مظلمة صحبته تفرقة وكدورة ومحق وشؤم. ألا ترى الكعبة كيف شرفت وعظمت وجعلت متبركة لكونها مبنية على يدي نبي من أنبياء الله بنية صادقة ونفس شريفة صافية عن كمال إخلاص لله تعالى. ونحن نشاهد أثر ذلك في أعمال الناس ونجد أثر الصفاء والجمعية في بعض المواضع والبقاع، والكدورة والتفرقة في بعضها وما هو إلا لذلك، فلهذا قال: ﴿ لمسجد أسس على التقوى ﴾ ، ﴿ من أول يوم أحق أن تقوم فيه ﴾ لأن الهيئات الجسمانية مؤثرة في النفوس كما أن الهيئات النفسانية مؤثرة في الأجسام، فإذا كان موضع القيام مبنيا على التقوى وصفاء النفس تأثرت النفس باجتماع الهم وصفاء الوقت وطيب الحال وذوق الوجدان، وإذا كان مبنيا على الرياء والضرار تأثرت بالكدورة والتفرقة والقبض ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ أي: أهل إرادة وسعي في التطهر عن الذنوب نبه على أن صحبة الصالحين من أهل الإرادة لها أثر عظيم يجب أن تختار وتؤثر على غيرها. كما أن المقام له أثر يجب أن يراعى ويتعاهد ولهذا ورد في اصطلاح القوم: يجب مراعاة الزمان والمكان والإخوان في حصول الجمعية وجعلوها شرطا لها وفيه إشعار بأن زكاء نفس الباني وصدق نيته مؤثر في البناء وإن تبرك المكان وكونه مبنيا على الخير يقتضي أن يكون فيه أهل الخير والصلاح ممن يناسب حاله حال بانيه، وإن محبة الله واجبة لأهل الإرادة والطهارة لقوله: ﴿ والله يحب المتطهرين ﴾ كيف ولولا محبة الله إياهم لما أحبوا التطهر.

تفسير القرآن · الصفحة ٢١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير القرآنص ٢١٢