تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8.50-52

﴿ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ﴾ مر توفي الملائكة وأنه لا يكون إلا لمن هو في مقام النفس، فإن كان من العصاة ومن غلب عليه صفات النفس من الغضب والحقد والشهوة والحرص وأمثال ذلك من رذائل الأخلاق توفتهم ملائكة القهر والعذاب مما يناسب هيئات نفوسهم ﴿ يضربون وجوههم ﴾ لاحتجابهم عن عالم الأنوار وإعراضهم عنها، ولهيئات الكبر والعجب والنخوة فيها ﴿ وأدبارهم ﴾ لميلهم وشدة انجذابهم إلى البدن و عالم الطبيعة ولهيئات الشهوة والحرص والشره ﴿ وذوقوا عذاب الحريق ﴾ أي: حريق الحرمان واستيلاء نيران التعب والطلب مع الفقدان لاكتسابهم تلك الهيئات الموجبة لذلك وإن كان من أهل الطاعة ومن غلبت عليه أنوار صفات القلب من الرأفة والرحمة والسلامة والقناعة وأمثال ذلك من فضائل القوتين السبعية والبهيمية دون فضيلة القوة النطقية فإنه حينئذ يكون صاحب قلب ليس في مقام النفس توفتهم ملائكة الرحمة

طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون

[النحل، الآية: 32] لمناسبة هيئات نفوسهم تلك الروحانيات من العالم.

8.53-71

﴿ ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم ﴾ إلى آخره، أي: كل ما يصل إلى الإنسان هو الذي يقتضيه استعداده ويسأله بدعاء الحال وسؤال الاستحقاق، فإذا أنعم على أحد النعمة الظاهرة أو الباطنة لسلامة الاستعداد وبقاء الخيرية فيه لم يغيرها حتى أفسد استعداده وغير قبوله للصلاح بالاحتجاب وانقلاب الخير الذي فيه بالقوة إلى الشر لحصول الرين وارتكام الظلمة فيه بحيث لم يبق له مناسبة للخير ولا إمكان لصدوره منه، فيغيرها إلى النقمة عدلا منه وجودا وطلبا من ذلك الاستعداد إياها بجاذبة الجنسية والمناسبة لا ظلما وجورا.

﴿ هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم ﴾ لاتفاقها في الوجهة وخلاصها عن قيود صفات النفس التي تستلزم التخالف والتعاند لركونها إلى عالم التضاد واختلافها بالطباع، فإن القلب ما دام واقفا مع النفس ومراداتها واستولت عليه بصفاتها جذبته إلى الجهة السفلية وصيرت مطالبه جزئية مما يناسب مصالحها فيطلب ما يمنعه منه الآخر، وتقع العداوة والبغضاء، وتستولي القوة الغضبية الطالبة للجاه والكرامة والقهر والغلبة والرياسة والسلطنة، ويقع الاستكبار والإباء والأنفة والاستنكاف، ويؤدي إلى التقاطع والتهاجر والتحارب والتشاجر. وكلما بعد عن الجهة السفلية بالتوجه إلى الجهة العلوية والتنور بأنوار الوحدة الصفاتية أو الذاتية، ارتفع عن مقام النفس واتصل بالروح وصارت مطالبه كلية لا تتمانع ولا يتنافس فيها لإمكان حصولها لهذا بدون حرمان الآخر منه ومال إلى من يجانسه في الصفاء بالمحبة الذاتية لشدة المناسبة. وكلما كان أقرب إلى الوحدة كانت قوة المحبة فيه أقوى لشدة قربه لمن تدين بدينه كالخطوط الآتية من محيط الدائرة إلى مركزها، فبحسب قوة الإيمان شدة الألفة بينهم.

﴿ لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ﴾ لأن ما في الجهة السفلية تزيد في عداوتهم ومناوأتهم لاشتداد حرصهم وتكالبهم به ﴿ ولكن الله ألف بينهم ﴾ بنور الوحدة التي تورث المحبة الروحانية والألفة القلبية فإن المحبة ظل الوحدة، والألفة ظل المحبة، والعدالة ظل الألفة ﴿ إنه عزيز ﴾ قوي على دفع الكفرة وقهرهم باجتماع المؤمنين واتفاقهم ﴿ حكيم ﴾ يفعل ذلك بحكمة لإيقاع الإلفة والمحبة بين هؤلاء والتفرقة واختلاف الكلمة بين أولئك.

تفسير القرآن · الصفحة ٢٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير القرآنص ٢٠٦