تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6.31-33

﴿ قد خسر الذين ﴾ المحجوبون المكذبون بلقاء الحق ﴿ حتى إذا جاءتهم ﴾ القيامة الصغرى ندموا على تفريطهم فيها ﴿ وهم يحملون أوزارهم ﴾ من أعباء التعلقات، وأفعال محبة الجسمانيات، ووبال السيئات، وآثام هيئات الحسيات ﴿ على ظهورهم ﴾ أي: ارتكبتهم واستولت عليهم للرسوخ في نفوسهم فحجبتهم وعذبتهم وثبطتهم عما أرادوا ﴿ وما الحياة الدنيا ﴾ أي: الحياة الحسية، لأن المحسوس أدنى إلى الخلق من المعقول ﴿ إلا لعب ﴾ أي: إلا شيء لا أصل له ولا حقيقة سريع الفناء والانقضاء ﴿ وللدار الآخرة ﴾ أي: عالم الروحانيات ﴿ خير للذين ﴾ يتجردون عن ملابس الصفات البشرية واللذات البدنية ﴿ أفلا تعقلون ﴾ حتى تختاروا الأشرف الأطيب على الأخس الأدون الفاني. ﴿ قد نعلم إنه ليحزنك ﴾ عتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بظهور نفسه بصفة الحزن ﴿ لا يكذبونك ﴾ إلى آخره، أي: ليس إنكارهم تكذيبك لأنك لست في هذه الدعوة قائما بنفسك ولا هذا الكلام صفة لك، بل تدعوهم بالله وصفاته وهذه عادة قديمة.

6.34-38

﴿ ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا ﴾ بالله، سلاه بالله بعدما عاتبه لئلا يبقى في التلوين ولا يتأسف بعد ذهابه عليه فيقع في القبض بل يطمئن قلبه، ولهذا عقبه بقوله: ﴿ ولا مبدل لكلمات الله ﴾ أي: صفات الله التي يتجلى بها لعباده ولا تتغير ولا تتبدل بإنكار المنكرين ولا يمكنهم تبديلها. ونفى عنه القدرة وعجزه بقوله: ﴿ وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت ﴾ إلى آخره، لئلا تظهر نفسه بصفاتها ﴿ فلا تكونن من الجاهلين ﴾ الذين لا يطلعون على حكمة تفاوت الاستعدادات، فتتأسف على احتجاب من احتجب. فإن المشيئة الإلهية اقتضت هداية بعض وحرمان بعض لحكمة ترتب النظام وظهور الكمالات الظاهرة والباطنة، فلا يستجيب إلا من فتح الله سمع قلبه بالهداية الأصلية ووهب له الحياة الحقيقية بصفات الاستعداد ونور الفطرة، لا موتى الجهل الذين ماتت غريزتهم بالجهل المركب أو بالحجب الجبلية، أو لم يكن لهم استعداد بحسب الفطرة فإنهم لا يمكنهم السماع، بل: ﴿ يبعثهم الله ﴾ بالإعادة في النشأة الثانية ﴿ ثم إليه يرجعون ﴾ في عين الجمع المطلق للجزاء أو المكافأة مع احتجابهم. وقد يمكن رفع الحجب في الآخرة للفريق الثاني دون الباقين ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ نزول الآيات، فإن ظهور كل صفة من صفاته على كل مظهر من مظاهر الأكوان آية له يعرفه بها أهل العلم.

﴿ وما من دابة في الأرض ﴾ إلى آخره، يمكن حمله على المسخ أي: أمم أمثالكم في الاحتجاب والاعتداء وارتكاب الرذائل كأصحاب السبت الذين مسخوا قردة وخنازير ﴿ ما فرطنا ﴾ ما قصرنا في كتابهم الذي فيه صور أعمالهم وهو صحيفة النفس الفلكية أو صحيفة نيتهم التى ثبتت فيها صور أعمالهم ﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ للجزاء، محجوبين في عين الجمع المطلق. والظاهر أن المراد أنهم أمم أمثالكم مربوبون بما احتاجوا إليه من معايشهم، مكفيون مؤنتهم بتقدير من الله وحكمه. ما قصرنا في كتاب اللوح المحفوظ من شيء يصلحهم بل أثبتنا فيه أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم وكل ما احتاجوا إليه، ﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ لجزاء أعمالهم كما هو مروي في الحديث من حشر الوحوش، وقصاص الأعمال بينهم، وكل واحدة منها آية لكم تعرف بها أحوالكم وأرزاقكم وآجالكم وأعمالكم، فاعتبروا بها ولا تصرفوا هممكم ومساعيكم في طلب الرزق وإصلاح الحياة الدنيا فتخسروا أنفسكم وتضروها وتشقوا بها في آخرتكم.

تفسير القرآن · الصفحة ١٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير القرآنص ١٥٨