مآ أشهدتهم خلق السموت والأرض ولا خلق أنفسهم..
[الكهف: 51]. ومعنى ﴿ أنشأكم.. ﴾ [النجم: 32] خلقكم بداية من طين الأرض، والمراد خلق آدم عليه السلام وما دمنا من الأرض نشأة وهي البداية والأم، فالابن متعلق بأمه ومرده إليها. ثم يذكر سبحانه طورا آخر من أطوار الخلق ﴿ وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم.. ﴾ [النجم: 32] فإذا كان أدم خلق من طين الأرض فنسله جاء من التزاوج الذي تنشأ عنه الأجنة في بطون الأمهات. ﴿ فلا تزكوا أنفسكم.. ﴾ [النجم: 32] تزكية النفس يعني: مدحها وادعاء الصلاح ﴿ هو أعلم بمن اتقى ﴾ [النجم: 32] أي: أن الله تعالى أعلم بخفي الأمور وحقيقتها، أعلم بكم من ساسكم لرأسكم، ولا يخفى عليه منكم شيء، فلا مجال إذن لتزكية النفس. حتى في حالة مدح الآخرين والثناء عليهم علمنا أن نقول: ولا نزكي على الله أحدا، لأن الله تعالى هو الذي يزكي، وهو أعلم بأهل الطاعة وبأهل التقوى الحقيقية. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ أفرأيت الذي... ﴾.
53.33-37
قالوا: نزلت هذه الآيات في الوليد بن المغيرة، حيث كانت بداية علاقته بدعوة الحق أن تولى عنها وأعرض عن سماع القرآن، ثم حن قلبه وأعجب بما يقوله رسول الله، فأعطى قليلا من الأمان لأمر الدعوة واطمأن لها. ثم تذكر عزته ومكانته بين قومه وخاف أن يقال صبأ عن دين الآباء والأجداد فنكص على عقبيه وتراجع. وقالوا: جاءه رجل وحذره من الإيمان بمحمد. وقال له: إن كنت خائفا من العذاب، فأنا أتحمله عنك مقابل أن تعطيني كذا وكذا، فأعطاه ثم تراجع ومنعه. وقالوا: نزلت في النضر بن الحارث أيضا: جاءه رجل وقال له: إن عذاب الله شديد وأنا أتحمله عنك، وأعطني خمس قلائص أي: خمسا من الجمال لكنه استكثرها، فمنع الرجل هذا العطاء. وقالوا أيضا: نزلت في صفوان. هذا معنى ﴿ أفرأيت.. ﴾ [النجم: 33] يا محمد ﴿ الذي تولى ﴾ [النجم: 33] أي: أعرض عنك وتركك ومضى ﴿ وأعطى قليلا.. ﴾ [النجم: 34] من العطاء أو من الأمان. ﴿ وأكدى ﴾ [النجم: 34] منع عطيته من الكدية يقولون: حفر فلان الحفرة فاستقامت له. أي: وجد ما ينتظره منها، وحفر فلان الحفرة فأكدت. أي: لم يجد شيئا، أو وجد حجرا كبيرا منعه من الوصول إلى بغيته، والحجر هذا يسمى كدية. ومنه قولنا: عقبة كأداء. يعني: تمنعك من الوصول إلى هدفك. ﴿ أعنده علم الغيب فهو يرى ﴾ [النجم: 35] أطلع على الغيب وعلم الحقيقة أن هذا الرجل سيفي في التحمل عنه ﴿ أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي وفى ﴾ [النجم: 36-37] يعني: ألم يعلم هذا المعرض عن دعوة الحق ما جاء في صحف موسى وفي صحف إبراهيم؟ لكن ماذا يعني بما جاء في صحف موسى وإبراهيم؟ يجيب القرآن ويفصل المجمل في الاسم الموصول بما فيقول سبحانه: ﴿ ألا تزر وازرة وزر... ﴾.