تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

53.18

أي: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا من آيات الله في رحلة الإسراء والمعراج، آيات في الأرض وآيات في السماء، وكلمة ﴿ الكبرى ﴾ [النجم: 18] مؤنث جمع كبيرة، وللمذكر كبير وأكبر. والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم رأى كثيرا من آيات ربه التي توصف بأنها آيات كبرى، أو رأى الكبرى من الآيات كلها. وبعد أن حدثتنا الآيات وأقسمت على صدق سيدنا رسول الله في البلاغ عن ربه، وذكرت لنا بعض الآيات الكونية والمعجزات تنتقل بنا إلى المقابل، إلى الحديث عن الأصنام وعباد الأصنام.

53.19-22

الاستفهام في ﴿ أفرأيتم.. ﴾ [النجم: 19] بمعنى أخبروني عن شأن هذه الأصنام التي اتخذتموها آلهة من دون الله، وقد كانوا يتخذون الآلهة على أشكال شتى، إنسان أو حيوان أو شجرة، وربما يتخذون صنما لا شكل له. و ﴿ اللات.. ﴾ [النجم: 19] صنم على شكل رجل كان عندهم يلت العجين ليريح النساء من هذا العمل الشاق، ومات ولم يترك خلفا بعده يقوم بهذا العمل، فحزنوا لموته، وصنعوا له تمثالا تكريما لذكراه ثم بعد ذلك عبدوه. و ﴿ والعزى ﴾ [النجم: 19] اسم شجرة كانوا يعبدونها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم خالدا أن يذهب ويقطعها، وكان يقول:

يا عزى كفرانك لا غفرانك

إني رأيت الله قد أهانك

﴿ ومناة الثالثة الأخرى ﴾ [النجم: 20] مناة أيضا اسم صنم لهم، وقال: ﴿ الثالثة الأخرى ﴾ [النجم: 20] فهي ثالثتهم ولم تكن على شكل إنسان أو حيوان، فقال: ﴿ الأخرى ﴾ [النجم: 20] على سبيل تحقيرهم والاستهزاء بهم وبمن عبدوهم. الحق سبحانه وتعالى جعلهم حكاما على ما يفعلون وعلى عبادتهم للأصنام، فقال لهم: أخبروني عن هذه الأصنام هل تستحق أن تعبد، هل لها قدرة أو إرادة، وهي أحجار جئتم بها بأيديكم وصورتموها على صورة تريدونها؟ ثم إذا سقط الصنم وأطاحت به الريح أقمتموه، وإذا كسر ذراعه أصلحتموه، فكيف تعبدونها؟ وأين عقولكم؟ لكنها طبيعة التدين في الفطرة البشرية، فقد جبل الخالق سبحانه الإنسان على التدين، وقبل أن يخلق آدم وهو ما يزال في عالم الذر وأخذ علينا العهد ونحن في عالم الذر في ظهر آدم عليه السلام. فقال سبحانه:

وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون

[الأعراف: 172-173]. إذن: عبدوا الأصنام لما عندهم من إيمان الفطرة في النفس، لكن الإيمان له تبعات ومطلوبات قد تشق على النفس وتقيد حركتها نحو الشهوات، فيميل الإنسان إلى عبادة إله بدون تكليف ليرضي غريزة التدين في نفسه، ومن هنا عبدوا الأصنام لأنها آلهة في زعمهم، لكن ليس لها مطلوبات وليس لها منهج، وما عبدوها إلا لراحة مواجيدهم الإيمانية. ونلاحظ هنا دقة الأداء القرآني في قوله تعالى: ﴿ أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى ﴾ [النجم: 19-20] لأنهم عبدوا أيضا الملائكة من دون الله، لكن لم يذكرها مع اللات والعزى ومناة، لأن الملائكة لا ترى. فلا يصح أن يقول: أفرأيتم الملائكة لأنهم لم يروا الملائكة، إنما سمعوا عنها وآمنوا بها غيبا، وقالوا على كل هؤلاء: شعفاؤنا عند الله، وقالوا:

ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى..

[الزمر: 3] إذن: حتى في كفرهم بالله يتمحكون في الله. وقوله تعالى: ﴿ ألكم الذكر وله الأنثى ﴾ [النجم: 21] استفهام للتعجب والإنكار عليهم، حيث نسبوا لله تعالى الملائكة وجعلوها إناثا لوجود تاء التأنيث بها. والملائكة مخلوقات لله تعالى نورانية لا تأكل ولا تشرب ولا تتناسل، ولا توصف بذكورة ولا بأنوثة. فهذا تعد في الحكم وقسمة سماها القرآن ﴿ تلك إذا قسمة ضيزى ﴾ [النجم: 22] جائرة ظالمة، لأنكم نسبتم لأنفسكم الجنس الأعلى ولله الجنس الأدنى، فالخطأ الأول أنهم جعلوا الملائكة إناثا، والثاني أنهم عبدوها. والحق سبحانه يرد عليهم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٦٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٦٥٧