تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

53.32

فمن صفات الذين أحسنوا أنهم ﴿ يجتنبون كبائر الإثم والفواحش.. ﴾ [النجم: 32] أي: يتركون بالكلية الكبائر من الذنوب ولا يقتربون من هذه المنطقة المحرمة ﴿ إلا اللمم.. ﴾ [النجم: 32] وهو صغائر الذنوب. فكأن الله تعالى من رحمته بخلقه تكفل لنا بالصغائر أن يمحوها، وجعل لها أستيكة أي ممحاة تزيلها وهي الصلوات الخمس، شريطة أن نجتنب الكبائر. وفي الحديث:

" الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر "

فمن فعل ذلك وسار على هذا المنهج كانت له الحسنى، وكان من أهل الإحسان. إذن: الإثم والفواحش هي الذنوب الكبيرة التي توعد الله مرتكبيها، والفواحش ما فحش من الكبائر وعظم، وقد جعل الله له عقوبة وحدا. أما اللمم الذي استثناه الله وعفا عنه فهو لمم. يعني: صغائر هينة لا يترتب عليها كبير ضرر، وهذه آيضا مشروطة بعدم الاجتراء عليها أو المبالغة فيها حتى تصير لك عادة. وإذا عاملك الله تعالى بهذه المنطق فاستح منه سبحانه أن تتجرأ عليه ولو بالصغائر، لأن الصغيرة إذا أضيفت إلى الصغيرة وكان في الأمر مداومة وإصرار صارت كبيرة، ثم للعاقل أن ينظر في حق من هذه الصغيرة، إنها في حق الله، إذن: فاقصر. قلنا: إن الكبائر جمع كبيرة ما توعد الله عليه بالعذاب في الآخرة، أو أقام عليه الحد في الدنيا، وهذا فيما يتعلق بحقوق العباد، فالله سبحانه قدم حق العباد على حقه تعالى، وجعل له القصاص العادل في الدنيا. ألا ترون أن الله جعل أداء الدين مقدم على أداء فريضة الحج؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل على جنازة أحد الصحابة لأن عليه دينا، وحثهم على قضاء دينه أولا. حتى أنهم قالوا في معنى

" من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه "

قالوا: هذا فيما يتعلق بحق الله، أما حقوق العباد فتظل كما هي، إلى أن يكون الأداء أو القصاص، ذلك يحدث الردع ولا يجترئ الناس على التعدي وانتهاك الحرمات. وقد علمنا رسول الله هذا الدرس في دعائه:

" اللهم ما كان لك منها فاغفره لي، وما كان لعبادك فتحمله عني "

يعني: إن لم أقدر على الوفاء به. لذلك قلنا في السارق الذي أسرف على نفسه وتمادى في هذه الجريمة، ثم أراد أن يتوب ماذا يفعل؟ لا بد أن يجهد في إعادة الحقوق إلى أصحابها، فإذا لم يقدر يحسب جملة ما سلبه من خلق الله ويتصدق به بنية صاحبه، وحين يعلم الله منه صدق التوبة، فقد يتحمل عنه هذه الحقوق رحمة به. نلاحظ أن الآية عطفت { والفواحش.

. } النجم: 32] على ﴿ كبائر الإثم.. ﴾ [النجم: 32] لأنها كلها كبائر، لكن الفواحش تضيف إلى الكبيرة صفة الفحش والقبح، فهي أعظم وأشد إثما من الكبائر، لأنها منكر مستبشع. وقد تكلم العلماء في الكبائر وربطوا بينها وبين الجوارح التي تؤدى بها، فعمرو بن عبيد كان عالما ورعا يتجنب ما يفعله غيره من العلماء والشعراء من الدخول على الملوك والأمراء لنيل عطاياهم، حتى قال فيه الشاعر، وذلك في العصر العباسي:

كلهم طالب صيد

غير عمرو بن عبيد

عمرو بن عبيد وقف عند مسألة الكبائر هذه، وأراد أن يسأل عنها أعلم أهل زمانه بالكتاب والسنة، فلم يجد أعلم من سيدنا جعفر الصادق بن سيدنا محمد الباقر بن سيدنا علي زين العابدين بن سيدنا الحسين بن سيدنا علي بن أبي طالب من السيدة فاطمة الزهراء. وكان جعفر الصادق كثير البحث في آيات القرآن واستيعاب أسراره والتفتيش عن كنوزه، وكان يستنبط المعاني ويأتي بالدليل عليها. ومن ذلك قوله: عجبت لمن خاف ولم يفزع إلى قوله تعالى:

حسبنا الله ونعم الوكيل

[آل عمران: 173] فإني سمعت بعقبها يقول:

فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء..

[آل عمران: 174]. وعجبت لمن اغتم ولم يفزع إلى قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٦٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٦٦٦