رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا..
[الأعراف: 143]. تأمل أولا
لن تراني..
[الأعراف: 143] ولم يقل: لن أرى، يعني: لن تراني يا موسى وأنت على هذه الهيئة لأنها لا تمكنك من الرؤية، لكن تجلى للجبل والتجلي يقتضي الرؤية. إذن: الأمر هنا في الرائي ومدى استعداده للرؤية. ومحمد مثل موسى في هذه المسألة، لكنه لما صعد إلى السماء أخذ شيئا من الملائكية تمكنه من الصعود والاختراق، ملائكية غطت على بشريته وتغلبت عليها.
53.23
ما زال الكلام موصولا عن الأصنام: اللات والعزى ومناة، فيخبر عنها الحق سبحانه ﴿ إن هي.. ﴾ [النجم: 23] أي: ما هذه الأصنام ﴿ إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ أنزل الله بها من سلطان.. ﴾ [النجم: 23] أسماء من تأليفكم لأصنام من صنع أيديكم. ومعلوم أن الاسم يوضع ليدل على مسمى، أما هذه الأصنام فأسماء دون مسمى فهي باطلة، قلتم آلهة وهي حجارة لا تضر ولا تنفع. ﴿ سميتموهآ أنتم وآبآؤكم.. ﴾ [النجم: 23] لأنهم ورثوها عن الآباء والأجداد كما حكى عنهم:
إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة وإنا على ءاثارهم مقتدون
[الزخرف: 23] إذن: أقروا بخطأ آبائهم، وأنهم سائرون على منهجهم. ثم يبين لهم بطلان معتقداتهم ﴿ مآ أنزل الله بها من سلطان.. ﴾ [النجم: 23] أي: هي من عند أنفسكم ليست من عند الله، ولا برهان ولا دليل على صدقها، وأنتم وآباؤكم لستم مشرعين. فالتشريع والأمور العقدية لا تؤخذ عن البشر، إنما تؤخذ عن الله، وهؤلاء لا يتبعون هدى الله، إنما ﴿ إن يتبعون.. ﴾ [النجم: 23] إن نافية بمعنى: ما يتبعون ﴿ إلا الظن وما تهوى الأنفس.. ﴾ [النجم: 23] لا يتبعون حقائق ولا واقع. الظن نسبة من النسب الكلامية الست التي سبق أن بيناها، وهي: العلم والجهل والتقليد والشك والظن والوهم، فالنسبة الكلامية إن كان لها واقع مجزوم به ويمكن إقامة الدليل عليها فهي علم، وإن كان لها واقع مجزوم به وليس عليها دليل فهي تقليد. فإن كانت النسبة الكلامية ليس لها واقع فهي جهل، هذا في النسبة المجزوم بها، فإن كانت النسبة الكلامية غير مجزوم بها يعني تحدث أو لا تحدث، فإذا تساوت الكفتان فهذا الشك، فإن كان الوقوع راجحا فهو الظن، وإن كان الوقوع مرجوحا فهو الوهم. والظن يمكن العمل به في الأمور العادية، فلو أردنا مثلا السفر إلى الإسكندرية فقلت لصاحبي: هذا الطريق سهل وعليه متطلبات السفر، فقال: الطريق الآخر أظن أنه أفضل لأنه حديث وكذا وكذا، فيجوز أن أترك اليقين الذي أعلمه عن الطريق وأسلك الطريق الآخر المظنون، لأن الاختيار لو كان خطأ فالضرر الحاصل به قليل. أما في مسائل الدين والعقيدة فيجب الأخذ باليقين لا بالظن، والحق سبحانه يخبر عن هؤلاء أنهم اتبعوا الظن في أمور العبادة، فقالوا: إن لله تعالى جلالا وكبرياء، ولا نقدر أن نلتحم به ونعبده، ولكن نعبد شيئا آخر يوصلنا إليه ويشفع لنا عنده. إذن: قوله تعالى: ﴿ إن يتبعون إلا الظن.. ﴾ [النجم: 23] أي: في العقيدة ﴿ وما تهوى الأنفس.. ﴾ [النجم: 23] في السلوك والعمل يتبعون هوى النفس، والهوى يطلق على ما يذم من مطلوبات النفس. ﴿ ولقد جآءهم من ربهم الهدى ﴾ [النجم: 23] اللام للتوكيد، وقد حرف تحقيق. يريد سبحانه أن يؤكد على هذه الحقيقة، وهي أن هدى الله جاءهم وبلغهم رسول الله منهج الله، ومع ذلك تركوا الحق واليقين، واتبعوا الظن وما تهوى الأنفس، ولو اتبعوا الظن والهوى قبل أن يأتيهم منهج الحق لكان لهم عذر، أما وقد فعلوا ذلك بعد أن جاءهم الهدى من الله فلا عذر لهم ولا حجة.