لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
[الأنبياء: 87] فإني سمعت الله بعقبها يقول:
فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين
[الأنبياء: 88]. وعجبت لمن مكر به ولم يفزع إلى قوله تعالى:
وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد
[غافر: 44] فإني سمعت الله بعقبها يقول:
فوقاه الله سيئات ما مكروا..
[غافر: 45]. وعجبت لمن طلب الدنيا ولم يفزع إلى قوله تعالى:
ما شآء الله لا قوة إلا بالله..
[الكهف: 39] فإني سمعت الله بعقبها يقول:
فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك..
[الكهف: 40]. فهذه روشتة وضعها سيدنا جعفر، أخذها بالدليل من كتاب الله وتشمل كل ما يطرأ على العبد من أحوال. وراح عمرو بن عبيد يسأل سيدنا جعفر عن الكبائر، كل كبيرة بحسب الجارحة التي تؤديها. فقال: القلب مطلوب منه ألا يشرك بالله، وألا ييأس من روح الله، وألا يأمن مكر الله. ثم أتى بالدليل من كتاب الله على كل واحدة، ففي مسألة الشرك
إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء..
[النساء: 48] وفي اليأس من روح الله
قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله..
[الزمر: 53] وهكذا. وكبائر اللسان: شهادة الزور
والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما
[الفرقان: 72] وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات، واليمين الغموس وهو الحلف على شيء مضى وتعمد مخالفة الواقع، كذلك من كبائر اللسان السحر. أما البطن فيتعلق بها شرب الخمر والعياذ بالله، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا.
والفرج يتعلق به الزنا. واليدان السرقة والقتل. والرجلان الفرار من الزحف. ولكل من هذه الكبائر دليلها الواضح من كتاب الله. ومن الكبائر ترك الصلاة وهي كبيرة، يشترك فيها جوارح كثيرة، وتركها كبيرة لأنها فرضت كما قلنا من الله مباشرة لرسوله، فهي لا تسقط عن المسلم بحال، لذلك قلنا عنها أنها ركن من اركان الإسلام، وكذلك هي ركن من أركان المسلم، لأنها ملازمة له لا تسقط عنه. أما اللمم فهو ما دون الكبائر من الذنوب، وتسمى الصغائر مثل النظرة، لذلك قالوا: لك الأولى وليس لك الثانية، لأن النظرة الأولى طرأت عليك وبها تتعرف على الأشخاص. أما النظرة الثانية ففيها قصد للتمادي، وهذا يجرنا إلى النظرة المحرمة، فالذي يطيل النظرة الأولى ليقول أنها الأولى التي رخص فيها عليه أن يحذر، لأن المراقب للنظرة هو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وحتى النظرة الأولى في الواقع ليست لك، لكنك معذور فيها، لأنها طرأت عليك، فهي تلقائية ليس فيها قصد. وكذلك من الصغائر الضربة الخفيفة التي لا تؤذي، أو أن تعيب على غيرك صفة من صفاته، أو خلقا من خلقه، إلى غير هذا من الأمور، لذلك سماها الله اللمم، وهذا السجل سرعان ما يغفر بالاستغفار وفعل الطاعات اليومية. لذلك يقول الحق سبحانه بعدها: ﴿ إن ربك واسع المغفرة.. ﴾ [النجم: 32]. نعم واسع المغفرة. أي: كثير المغفرة، لأنه تعالى خلق الإنسان ويعلم مناطق الضعف فيه، ولما كلفه لم يضيق عليه ولم يشق عليه، بل كلفه على قدر الاستطاعة، ولم يكلفه إلا بعد سن البلوغ، فيظل يرتع في الكون دون تكليف أكثر من عشر سنوات. ثم بعد أن يكلف يتحمل عنه الصغائر، ويبين له عاقبة الكبائر حتى لا يقربها، وهذه رحمة من الله بعبده، لذلك قال في موضع آخر:
ويعفوا عن كثير..
[المائدة: 15] فالله واسع المغفرة، كثير العفو، سبقت رحمته غضبه، وسبق عفوه عقابه. ثم تأتي التوبة الكبيرة:
حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صلحا ترضه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين
[الأحقاف: 15]. لذلك الذي يعصي ربه عز وجل بعد سن الأربعين يكون بايخ، نعم لأنه وصل للسن التي لا عذر له في أن يتجرأ على الله بالمعصية فإذا ما بلغ المسلم في الإسلام الكبر والشيخوخة استحى الله أن يعذبه، وقد شاب في الإسلام. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم.. ﴾ [النجم: 32] نعم النشأة الأولى للإنسان لا يعلمها إلا الله