تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

53.10-11

أي: أوحى الله تعالى إلى ﴿ عبده.. ﴾ [النجم: 10] محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ [النجم: 11] هذا يعني أن رسول الله لم ير الله تعالى بعينه، بل رآه بفؤاده وقلبه، فموسى سمع الكلام في الأرض، ومحمد رأى ببصيرة قلبه في السماء. ومعنى ﴿ ما كذب الفؤاد.. ﴾ [النجم: 11] تحذير للذين يشككون في هذه المسألة أو ينكرونها، لذلك يأتي بعدها بهذا الاستفهام الإنكارى: ﴿ أفتمارونه على... ﴾.

53.12-15

الهمزة هنا للاستفهام الذي يفهم منه الإنكار والتعجب من تكذيبهم لرسول الله فيما أخبرهم به بعد رحلة الإسراء والمعراج من صعوده للسماء ورؤيته لربه عز وجل. والفعل ﴿ أفتمارونه.. ﴾ [النجم: 12] من المراء وهو الجدل، لكن جدل بالباطل يراد منه التكذيب والتشكيك، ولا يراد منه الوصول للحق. ﴿ ولقد رآه نزلة أخرى ﴾ [النجم: 13] أي: رأى رسول الله جبريل مرة أخرى ﴿ عند سدرة المنتهى ﴾ [النجم: 14] السدرة: هي شجرة السدر التي عن يمين العرش. ﴿ المنتهى ﴾ [النجم: 14] أي: عندها ينتهي علم الخلائق، ولا يتجاوزها أحد من الملائكة فضلا عن البشر، وعند هذه السدرة رأى جبريل للمرة الثانية. وفي هذا المكان من القرب فرضت الصلاة على سيدنا رسول الله، والصلاة هي الفريضة الوحيدة التي فرضت مشافهة، وهذا يعني أن رسول الله سمع كلام الله في هذه المشافهة. لكن لما سئل عن رؤيته لربه عز وجل قال:

" نور أنى أراه "

أي: كيف أراه، تعبير دقيق من رسول الله، فلما نظر لم يجد إلا نورا، والنور لا يرى، وإنما يرى به الأشياء، فإذا كان الحق سبحانه نورا فلا سبيل إلى رؤيته سبحانه. أما الرؤية في مثل قوله تعالى:

وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة

[القيامة: 22-23] فالكلام هنا عن يوم القيامة، حيث يعاد الخلق على هيئة أخرى غير هيئتهم في الدنيا. وبهذه الهيئة سوف يتمكنون من رؤية ربهم سبحانه وتعالى، بدليل أننا بهذه الطبيعة الجديدة في الآخرة نأكل ولا نتغوط، ونشرب ولا نتبول ولا نعرق، لماذا؟ لأن الله أعدنا إعدادا آخر يناسب نعيم الآخرة. ثم إننا نأكل في الدنيا من طهينا وإعدادنا، وأما فى الآخرة فنأكل من طهي الله، طهي بحساب دقيق بحيث لا يبقى منه في الجسم أي فضلات. كذلك من الإعجاز في رحلة الإسراء والمعراج أن رسول الله أعده الله إعدادا خاصا ليتمكن من الصعود، فمن المعلوم أن الأكسجين ينعدم في طبقات الجو العليا. وهذه الحقيقة قررها القرآن في قوله تعالى:

فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلم ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السمآء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون

[الأنعام: 125]. ومسألة رؤية الله تعالى مسألة خلافية كثر فيها الكلام دون داع، فرسول الله رأى نورا، والرؤية الحقيقية تكون في الآخرة، ويجب أن نقصر الكلام في هذه المسألة على ما ورد فيها، ثم هو علم لا ينفع وجهل لا يضر. المهم المنهج الذي جاء به ومدى التزامنا بتطبيقه في حياتنا العملية، وقمة هذا المنهج الصلاة التي فرضت عليه مباشرة لأهميتها في حركة الحياة وتقويم المعوج منها.

وسبق أن أوضحنا مثالا وقلنا: إن الرئيس يبعث للموظف تأشيرة افعل كذا وكذا، فإن كان الأمر أهم من ذلك اتصل به تليفونيا، وإن كان أهم استدعاه إلى مكتبه وأخبره بما يريد مباشرة، هكذا كانت الصلاة. لذلك نراها واجبة على كل مسلم ومسلمة لا تسقط أبدا على أية حال خلافا لباقي العبادات التي تسقط بالأعذار. والحديث:

" بني الإسلام على خمس... "

يوضح هذه المكانة، فالصلاة من عمد الدين وقوائمه التي يقوم عليها، ويوضح أيضا أن هذه الخمس ليست هي كل الإسلام، بل الإسلام أوسع مجالا منها، الإسلام يشمل حركة الحياة كلها، بداية من قمة لا إله إلا الله محد رسول الله إلى إماطة الأذى عن الطريق. لذلك نتعجب من الذين ينادون بفصل دين الله عن سياسية الدنيا، ويقولون: لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة. فهذا قول باطل لا يصح، وهل يجوز أن نترك القاتل والزاني والسارق وغيرهم من أصحاب الجرائم يعربدون في خلق الله دون عقاب أو رادع؟ ولأهمية الصلاة في حركة الحياة جعلها الله كتابا موقوتا، ففرضيتها مقرونة بوقتها، وهذا الوقت موزع على مدى اليوم والليلة، ليظل المؤمن على صلة دائمة بربه، وعلى ذكر دائم للمنهج، ولا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها إلا لعذر مقبول عند الشارع الحكيم. فمن نام عن صلاة فوقتها حين يستيقظ، ومن كان ناسيا فوقته حين يتذكر، وفي هاتين الحالتين لا تقضى الصلاة إنما تصلى حاضرا، أما إذا فاتته الصلاة تكاسلا وبدون عذر فلا تقضى صلاته لأن لها وقتا مخصوصا وقد فوته على نفسه بدون عذر شرعي. والحكمة من توقيت الصلوات بوقت محدد أن الإنسان لا يدري متى يفاجئه أجله، فليبادر أولا بآداء صلاته في موعدها، والصلاة فيها دوام واستمرار على مدى الساعات، على خلاف الحج مثلا، فهو مرة واحدة في العمر كله. نقول: إذن لا داعي لأن نختلف حول رؤية الروسل لربه عز وجل في رحلة الإسراء والمعراج، المهم أنه انتقل إلى مكان أعلى في التكليف، كان يكلف وهو في الأرض والآن يكلف وهو في السماء، ويكفي أن الله تعالى كلمه دون وحي، ويكفي أن يقول صلى الله عليه وسلم عن رؤيته لربه تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٦٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٦٥٤