53.3-6
هذه الآيات امتداد لجواب القسم
ما ضل صاحبكم وما غوى
[النجم: 2] وهنا يقسم الحق على صفة أخرى لسيدنا رسول الله ﴿ وما ينطق عن الهوى ﴾ [النجم: 3] النطق هو القول، أي ما يقول عن هواه، ولا يأتي بشيء من عنده ولا باجتهاده. ﴿ إن هو.. ﴾ [النجم: 4] أي: ما هو والمراد القرآن الكريم الذي نطق به محمد ﴿ إلا وحي يوحى ﴾ [النجم: 4] أي: من عند الله، وهذا أسلوب قصر: ما القرآن إلا وحي وليس شيئا آخر. ﴿ علمه شديد القوى ﴾ [النجم: 5] الذي علمه محمدا وأوحاه إليه ﴿ شديد القوى ﴾ [النجم: 5] وهو أمين الوحي جبريل عليه السلام. والقوى جمع قوة، فله قوى متعددة تناسب مهمته، له قوة ذكاء في الاستقبال، وقوة في الحفظ. وقوة في الإرسال والإلقاء، وليس لديه هوى يغير ما جاءه ولا خيانة ولا كذب. وهذه الصفات هي التي حمت القرآن من التغيير كما غيرت الكتب السابقة. وقد حكى الله تعالى عن أهل الكتاب:
يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا..
[البقرة: 79]. وكلمة ﴿ شديد القوى ﴾ [النجم: 5] فسرها في آيات أخرى فقال، حتى قبل نزول القرآن:
إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون
[الواقعة: 77-79]. وقال:
نزل به الروح الأمين
[الشعراء: 193]، وقال:
ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين
[التكوير: 20-21] هذه كلها صفات جمعت لجبريل عليه السلام. وهنا قال: ﴿ ذو مرة فاستوى ﴾ [النجم: 6] أي صاحب مرة وهي القوة في كل ما يتناوله، وهي الدقة التي لا تخطئ، والمرة صفة تقوى الشيء، ترون الحبل مثلا عندما يفتل يكون فتله مناسبا لمهمته، فحبل الغسيل مثلا غير الحبل الذي يشد به شراع المراكب. كذلك مهمة سيدنا جبريل مع سيدنا محمد، أن يؤدي هذه المهمة بقوة ودقة وذكاء بحيث يأتي رسول الله بصورة مقبولة لا ترد، صورة فيها تشويق لتلقي الوحي ولا تردها طبيعة محمد البشرية، كذلك كان للكلام حلاوة لأنه كلام الله ليس كلام البشر، وله ظواهر تدل عليه وعلى مصدره الإلهي. وأول ما جاء الوحي رسول الله أجهده، لأنها المرة الأولى التي تلتقي فيها الطبيعة البشرية بالطبيعة الملائكية، لذلك تصبب عرقا وبرد وقال: زملوني دثروني، إذن: أثر في جسده ونفسه، حتى أنه خاف أن يكون ما حدث له شيئا من مس الشيطان. ولما أخبر السيدة خديجة بالأمر وكان لها فطنة في هذه المسألة فقالت له: عندما يأتيك أخبرني، فلما جاءه الوحي أخبرها فجلست على ركبته وقالت: أتراه؟ قال: نعم، فكشفت عن صدرها وقالت: أتراه؟ قال: لا، قالت: إذن هو ملك وليس شيطانا.
وتأمل هنا حصافة السيدة خديجة وما تتمتع به من فقه قبل نزول الإسلام، وكأن الحق سبحانه أعد للإسلام أناسا من الرجال والنساء يستقبلون خبره الأول ويؤيدونه ويصدقونه دون أن ينتظروا معجزة يرونها ليصدقوه، لأن معجزة رسول الله عندهم كائنة في شخصه وفي سيرته بينهم، معجزته بالنسبة لهم في صدقه وأمانته وكرمه ومروءته. ويكفي أن نذكر في هذا المقام موقف الصديق لما قالوا له: إن صاحبك يدعي أنه نبي ويوحى إليه، فقال الصديق وكان عائدا من سفر: إن كان قال فقد صدق، إذن: دليل صدقه في نظر الصديق أن يقول، مجرد أن يقول يكفي قوله ليصدق. وهذا المعنى واضح في قوله سبحانه:
محمد رسول الله..
[الفتح: 29] يعني: يكفي في تعريفه أنه محمد الذي تعرفونه هو رسول الله، فمنزلة رسول الله بين قومه لا تحتاج إلى وصف ولا إلى تعريف فوق ذلك. وكان المنتظر منهم أن يقولوا: ومن أولى بالرسالة منه، لكنهم قالوا كما حكى القرآن
لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم
[الزخرف: 31]. ومن معاني ﴿ ذو مرة.. ﴾ [النجم: 6] أي: صاحب الخلق الحسن والمنظر الحسن الجميل، فكان يأتي رسول الله بالمنظر الحسن الذي يحبه، وكان صلى الله عليه وسلم يحب النظر إلى دحية الكلبي فكان يأتي على صورته. إذن: معنى ﴿ ذو مرة.. ﴾ [النجم: 6] أي: فيه كل الصفات الطيبة التي تجعله مقبولا غير مردود، وهو موصوف مع ذلك بالقوة، فلما ظهر لرسول الله بصورته الحقيقية ظهر في صورة طائر جميل له أجنحة. كما قال تعالى: