53.27-28
الحق سبحانه يفضح اعتقادهم الكاذب في قولهم
ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى..
[الزمر: 3] وفي اعتبارهم الملائكة شفعاء لهم عند الله، فهذا مجرد كلام وحجج واهية لأنهم في الأصل لا يؤمنون بالآخرة، فكيف يتحدثون عن الشفاعة؟ ﴿ إن الذين لا يؤمنون بالآخرة.. ﴾ [النجم: 27] أي: الكفار ﴿ ليسمون الملائكة تسمية الأنثى ﴾ [النجم: 27] أي: يدعون أن الملائكة بنات الله ﴿ وما لهم به.. ﴾ [النجم: 28] ما لهم بهذا القول ﴿ من علم.. ﴾ [النجم: 28]. وفي موضع آخر قال سبحانه:
مآ أشهدتهم خلق السموت والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا
[الكهف: 51]. إذن: لا علم عندهم بخلق الملائكة، فهم في هذا الادعاء كاذبون يقولون ما لا يعلمون، والمسألة أنهم يتبعون في هذه القضية ظنهم الباطل، ظنوا الملائكة إناثا لوجود تاء التأنيث في الملائكة. ﴿ وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ﴾ [النجم: 28] أي: أن ظنهم هذا ظن باطل لا يمت إلى الحقيقة بصلة ولا يغني عنها، والحق في هذه المسألة ما أخبرنا الله به، لأنه خالقهم والأعلم بهم، فالظن لا يحل أبدا محل العلم القاطع البين.
53.29-30
بعد أن بين الحق سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم موقف خصومه، وكيف أنهم لا يريدون الحق، بل يريدون الهوى والظن والشهوات، يقول له: يا محمد أرح نفسك من هؤلاء، فلا فائدة منهم. وقد كان سيدنا رسول الله حريصا كل الحرص على هداية قومه، وكان يحمل نفسه في سبيل دعوتهم إلى الحق فوق ما تحتمل، لذلك خاطبه سبحانه بقوله:
فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا
[الكهف: 6] وقال له:
إن عليك إلا البلاغ..
[الشورى: 48]. وقد بينا أن الله تعالى لا يريد منهم قوالب تأتي راغمة، إنما يريد قلوبا تأتي إليه طواعية واختيارا. لذلك يقول سبحانه لنبيه: ﴿ فأعرض عن من تولى عن ذكرنا.. ﴾ [النجم: 29] فأعرض: أمر من الفعل عرض عارض، وأعرض معرض. والهمزة هنا تسمى همزة الإزالة. أي: إزالة العرض، تعرفون المعرض الدولي الذي نعرض فيه المنتجات، فصاحب المنتج عارض يعرضه على الناس، ويبين لهم مزاياه فهو عارض. وهكذا كان سيدنا رسول الله يعرض الهدى ومنهج الحق على قومه، ويبين لهم أهدافه ومزاياه، فلم يكن منهم إلا الصبر والأذى والإعراض عنه والانصراف. وظل كذلك ألى أن أمره ربه بالإعراض عنهم، فقال له: ﴿ فأعرض.. ﴾ [النجم: 29] من أعرض، وهو عكس عرض، وهمزة الإزالة تحول الفعل إلى ضده، فكما انصرفوا عنك فانصرف عنهم، أعرضوا عنك فأعرض عنهم. وهمزة الإزالة في أعرض مثل أعجم. نقول: أعجم الكتاب. أي: أزال عجمته ومنه معجم، وهو الكتاب الذي يزيل غموض الألفاظ، كذلك أعرض أي: أزال العرض. ﴿ فأعرض عن من تولى عن ذكرنا.. ﴾ [النجم: 29] إذن: هم البادئون بالإعراض عن ذكر الله، أي: عن القرآن وعن المنهج لأنه يقيد حريتهم في الشهوات، المنهج تكليف، وهم لا يريدون تكليفا، يريدون الانطلاق خلف شهواتهم وملذاتهم دون رقيب. ولو تأمل هؤلاء المعرضون منهم الله لعرفوا أنه في صالحهم، لأنه مثلا حين ينهاك عن السرقة وأنت فرد ينهى الناس جميعا أن يسرقوا منك، كف يدك وكف أيدي الملايين عنك. إذن: قبل أن تنظر إلى مشقة التكاليف انظر إلى عطائها. تذكرون الصحابي الشاب الذي أتى سيدنا رسول الله وقال له:يا رسول الله إئذن لي بالزنا، تصوروا ماذا كان رد فعل رسول الله على هذا المطب الغريب؟ لم ينهره بل أدناه منه وتبسم في وجهه وقال له: يا أخا العرب أتحبه لأختك؟ فيقول: لا يا رسول الله جعلت فداك، فيقول: أتحبه لأمك؟ أتحبه لابنتك؟. يقول الراوي: حتى ذكر العمة والخالة، والرجل يقول: لا يا رسول الله جعلت فداك، ثم يقول له سيدنا رسول الله: كذلك الناس يا أخا العرب لا يحبونه لأخواتهم ولا لأمهاتهم ولا لبناتهم.