تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

53.59-62

الهمزة هنا استفهام للتعجب، فهم يتعجبون من ﴿ هذا الحديث ﴾ [النجم: 59] أي: من القرآن وهو يتعجب منهم، يقول لهم: أتتعجبون من القرآن؟ الأولى بكم أن تتعجبوا من حالكم وما أنتم فيه من لهو وغفلة وانصراف عن الحق، وهذا يفوت عليكم الفرصة ويحرمكم خيرا كثيرا. ونفس المعنى في ﴿ وتضحكون ولا تبكون ﴾ [النجم: 60] تضحكون سخرية واستهزاء، وكان الأولى بكم أن تبكوا على أنفسكم وعلى ما فاتكم من الخير ﴿ وأنتم سامدون ﴾ [النجم: 61] لاهون غافلون. وهذا حال من قست قلوبهم وغلبهم الشيطان والنفس، تراهم إلى جانب انصرافهم عن الحق يسخرون من أهله ويضحكون استهزاء بهم. كما قال تعالى في تصوير هذا الموقف:

إن الذين أجرموا

[المطففين: 29] سماهم مجرمين

كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا عليهم حافظين

[المطففين: 29-33]. نعم، هذا حال أهل الباطل الذين يقلبون الحقائق في الدنيا، لكن الدنيا ليست هي الغاية، وليست هي نهاية المطاف، فهناك اليوم الآخر الذي يفصل فيه بين الظالم والمظلوم، كما قالوا: وعند الله تجتمع الخصوم. فالله يطمئن أهل الإيمان:

فاليوم

[المطففين: 34] أي: يوم الحساب

الذين آمنوا من الكفار يضحكون

[المطففين: 34] ومن يضحك أخيرا يضحك كثيرا

على الأرآئك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون

[المطففين: 35-36] وعندها نقول: نعم يا رب جازيتهم بما يستحقون. وقوله سبحانه: ﴿ فاسجدوا لله واعبدوا ﴾ [النجم: 62] نلاحظ أولا أسلوب الاختصار في الأداء القرآني الذي يترك مجالا لفطنة المتلقي، فالمعنى: فاسجدوا لله واعبدوا الله، لأنه وحده المستحق للعبادة لا شريك له، فالأمر بالعبادة لا ينصرف إلا إليه سبحانه، حتى لو لم يذكر المعبود سبحانه. الحق سبحانه وتعالى حينما يأمرهم بالسجود والخضوع والطاعة كأنه يقول لهم: كان أولى بكم البكاء والخضوع والتضرع، وأن تتمسكوا بهذا الحق الذي جاءكم ليأخذ بأيديكم، فهو حبل النجاة فلا تقابلوه بالسخرية. وهنا ملحظ في نهاية السورة يأتي الأمر بالسجود ﴿ فاسجدوا لله واعبدوا ﴾ [النجم: 62] كأن الله يتودد إلى عباده حتى الكافرين يقول لهم: يا عبادي أنتم صنعتي وعيالي، فتعالوا إلى ساحتي. انهوا الخلاف والمعارضة، واخضعوا لي بالسجود والعبادة، فأنا أريد لكم الخير، وهل هناك صانع يريد الشر لصنعته؟ لذلك ورد في الحديث القدسي:

" يا بن آدم، أنا لك محب فبحقي عليك كن لي محبا ".

ولله المثل الأعلى: أرأيت لو أن رجلا غنيا وسع الله عليه وعنده ولد فاسد، فينادي عليه: يا بني تعال انتفع بمالي، فأنت أحق به، كذلك الحق سبحانه ينادي على الخارجين عن منهجه: تعالوا فالخير ينتظركم. وإذا كان الأمر في ﴿ فاسجدوا لله واعبدوا ﴾ [النجم: 62] للكافرين، فهو أيضا يكون للمؤمنين: اسجدوا شكرا لله الذي هداكم إلى الإيمان ونجاكم من الكفر.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٦٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٦٧٧