تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيقول الشاب: فانصرفت من عند رسول الله، وليس شيء أبغض إلي من الزنا، وما هممت بشيء إلا تذكرت أختي وأمي وابنتي. لذلك الحق سبحانه وتعالى في أول سورة البقرة يقول عن المتقين:

أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون

[البقرة: 5] فالتكاليف الدينية والمنهج ليس عبئا عليك، إنما هو دابة تحملك وتوصلك إلى غايتك، فهم على الهواء وعلى تفيد الاستعلاء، فالمنهج هو الذي يحملك، وهو الذي يساعدك ويسعدك. وقوله تعالى: ﴿ ولم يرد إلا الحياة الدنيا ﴾ [النجم: 29] أي: هي غايتهم، فلا يعملون إلا لها وقد أقروا بذلك فقالوا:

ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنآ إلا الدهر..

[الجاثية: 24] فالآخرة ليست في حساباتهم. لذلك الحق سبحانه وتعالى يسفه هذا الرأي ويقول: ﴿ ذلك مبلغهم من العلم.. ﴾ [النجم: 30] أقصى ما وصلوا إليه من العلم الذاتي فقد وقف بهم عند هذا الحد. والعجيب أنهم أغلقوا آذانهم وصموا أسماعهم عن الهدى، فلم يأخذوا بعلم الله الذي أنزله عليهم ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ﴾ [النجم: 30]. نقف أولا عند أسلوب القصر ﴿ هو أعلم.. ﴾ [النجم: 30] حيث قصر العلم على الله وحده، لأن الهداية والضلال أمر في غالبه غيبي لا يطلع عليه إلا عالم السر وأخفى، ثم إن الجميع يدعي أنه على الهدى، وأن غيره على الضلال، لذلك اختص الله بهذا العلم نفسه سبحانه. وقد جاءت هذه الآية ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ﴾ [النجم: 30] بعد قوله تعالى لنبيه: ﴿ فأعرض عن من تولى عن ذكرنا.. ﴾ [النجم: 29] فهنا تناسب بين الآيتين، لأن الله تعالى سبق علمه بخلقه من يضل ومن يهتدي، من سيقبل على الدعوة، ومن سيعرض عنها. لذلك قال لنبيه أرح نفسك

إن عليك إلا البلاغ..

[الشورى: 48] والحق سبحانه وتعالى أخبر رسوله بمن سيهتدي وبمن سيظل على ضلاله، فأبو لهب وأبو سفيان وعمرو وخالد بن الوليد كانوا جميعا في خندق واحد ضد الإسلام، فشاء الله أن يؤمن أبو سفيان وخالد وعمرو. أما أبو لهب فقد ظل على كفره، حتى بعد أن نزلت فيه

تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب

[المسد: 1-3].

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٦٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٦٦٤