وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون
[الزخرف: 19]. وقال:
إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم..
[الأنبياء: 98] أي: وقودها الذي تتأجج به والعياذ بالله. فالمأزق الذي وقع فيه عباد الأصنام أنهم قالوا:
ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى..
[الزمر: 3] ولو قالوا: ما نتقرب إليهم إلا ليقربونا إلى الله لكانت مقبولة، لكن قالوا: نعبدهم وهو قول باطل، فرد الله عليهم:
إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم..
[الأنبياء: 98]. فإن قلت: فما ذنب عيسى والعزير؟ وما ذنب الملائكة وقد عبدوها من دون الله؟ والجواب في نفس الآية، تأمل
وما تعبدون..
[الأنبياء: 98] فما هنا لغير العاقل ولم يقل: ومن تعبدون، فسيدنا عيسى والعزير والملائكة لا يشملهم هذا الحكم. وتأمل كلمة ﴿ ضيزى ﴾ [النجم: 22] تجدها كلمة غريبة في تركيبها وفي نقطها ولم تتكرر في مفردات القرآن، جاءت هكذا عجيبة لتدل على أن فعلهم غريب وعجيب، وأن قسمتهم هذه جائزة ظالمة، لأنهم نسبوا لله تعالى وهو الخالق الجنس الأدنى. أي: في نظرهم هم. فالعقائد لا تفضل الذكر على الأنثى، فهما سواء في ميزان الشرع، ولبيان هذه المسألة اقرأ مثلا في قصة السيدة مريم:
إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا..
[آل عمران: 35] أي: محررا وموقوفا على خدمة البيت، والخدمة في أماكن العبادة خاصة بالذكور ولا تصح لها الإناث.
فلما وضعتها قالت رب إني وضعتهآ أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى..
[آل عمران: 36] أي: ليس كلأنثى في آداء هذه المهمة، فبين الله لها أن الأنثى التي أريدها ستأخذ منزلة لم تأخذها أنثى غيرها. فالذكر الذي طلبته ليس كالأنثى التي وهبتها لك، لأن هذه الأنثى سيكون لها منزلة في تاريخ العقائد، موقف يرفعها على جميع النساء. لذلك لما تكلم عن نماذج من النساء قال امرأة ولم يسم إلا مريم، فقال:
ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط..
[التحريم: 10] وقال:
وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون..
[التحريم: 11] ولم يسمها إلا رسول الله، فقال: هي آسية بنت مزاحم.
فالحق سبحانه لم يسم هؤلاء، فهن نماذج لحالات مختلفة هدفها واحد وهو حرية العقيدة للمرأة، ولا أحد يستطيع أن يرغم أحدا على عقيدة بعينها. أما مريم فسماها باسمها واسم أبيها
ومريم ابنت عمران..
[التحريم: 12] لأنها نموذج فريد وحالة خاصة لن تتكرر بعدها. إذن: إبهام الشخصيات له موضعه، وتعينها له موضعه، وكل له حكمته. ففي قصة أهل الكهف ذكر قصة الفتية
إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى
[الكهف: 13] ولم يعين القرآن أسماءهم ولا عددهم، ولم يذكر عنهم إلا وصف الإيمان بالله، وهذا هو القدر المراد في قصتهم ولا يهم بعد ذلك عددهم أو أسمائهم، فهو علم لا ينفع، وجهل لا يضر كما يقولون. فهم نموذج للفتية المؤمنين المتمسكين بعقيدتهم المجابهة للظلم في أي زمان وفي أي مكان، بأي عدد وبأي صورة، ولو عينهم وسماهم لكانوا حالة خاصة ليس بالضرورة أن تتكرر. وأحب أن أستدرك الحديث عن مسألة رؤية سيدنا رسول الله لربه، لأنها مسألة كثر فيها الكلام بين المفسرين، وتباينت فيها الآراء بين مؤيد ومعارض. وأقول: أولا إنها مسألة لا تضر أصل العقيدة، لأنها لا تأتي بشيء جديد إلا أن نعرف منزلة محمد من ربه، فالذين يحبون رسول الله يريدون أن يصلوا به إلى مرتبة أنه رأى ربه فيثبتون له ذلك. وآخرون محبون أيضا لرسول الله لكنهم يريدون أن يجنبوا الناس متاهات الشك، فيحاولون تخفيف هذه المسألة بأنها رؤية على غير الحقيقة. ونحن بدورنا نريد أن نبسط المسألة تبسيطا ييسرها على الجميع، ومن الطبيعي أن تختلف آراء العلماء، وهو اختلاف يعزز الدين في ذاته ولا يقدح فيه. والمتتبع لآيات سورة النجم من أولها يجدها تحدثت عن الوحي في موضعين: الأول: