تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" نور أنى أراه؟ "

ولقائل أن يقول: لماذا جاءت الرؤية في السماء بالذات والله قادر أن يتجلى على رسوله ويظهر له وهو في الأرض؟ نقول: المكان لا للمرئي ولكن اللرائي، فالرائي لا يرى إلا في هذا المكان. كما لو قلت لكم مثلا ونحن في المسجد: ظهر القمر، فقال أحدكم: لكني لا أراه. أقول له: يراه الذي بالخارج أو فوق السطح. وقوله تعالى: ﴿ أفتمارونه على ما يرى ﴾ [النجم: 12] تأكيدا للرؤية وترجيح لها وتحذير من التشكيك فيها، ولم التشكيك إذا كان الأمر كله في هذه المسألة لله، ومحمد لم يدع لنفسه قوة، بل قال: أسري بي؟ تذكرون لما تكلمنا عن قوله تعالى:

يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموت والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان

[الرحمن: 33] قال بعض العلماء: المراد سلطان العلم. قلنا: لا بل سلطان من الله القادر على ذلك، ولو أن المراد سلطان العلم لما قال تعالى بعدها:

يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران

[الرحمن: 35]. ولولا هذه الآية لكانت السماء مفتوحة يسهل للجن اختراقها. ورؤية رسول الله لجبريل في قوله تعالى: ﴿ ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى ﴾ [النجم: 13-14] تعد تشريفا لجبريل وتشريفا لرسول الله. والسدرة كما قلنا شجرة النبق، وهو حب يؤكل في حجم الزيتون. وإذا كان النبق في الدنيا له شوك فسدرة المنتهى لا شوك لها، فهي كما قال تعالى:

في سدر مخضود

[الواقعة: 28] يعني لا شوك فيه. وقال في وصف ثمارها أنها كقلال هجر أي: كالبلاص الكبير. ثم لا تعجب من كون هذه الشجرة في السماء السابعة، فهذا من طلاقة القدرة، ألم يجعل شجرة في جهنم والعياذ بالله، فقال سبحانه

إنها شجرة..

[الصافات: 64] أي: شجرة الزقوم

تخرج في أصل الجحيم * طلعها كأنه رءوس الشياطين

[الصافات: 64-65]. وقوله تعالى: ﴿ عندها جنة المأوى ﴾ [النجم: 15] أي: التي يأوي إليها وينتهي إليها الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، فكأنها جنة خاصة بهم غير جنة الآخرة التي تكون بعد الحساب. فالذي مات شهيدا وضحى بروحه في سبيل الله يقول الله له: لا تموت عندي فيبرئه من الموت مرة أخرى، كأنه يقول: أنا واهب الحياة وأنا الذي آخذها فإذا أخذها غيري أكيده بأن أجعل الشهيد حيا عندي، موصولة حياته الدنيا بحياته في البرزخ. تذكرون لما تكلمنا عن سيدنا يحيى عليه السلام. قلنا: إن الله تعالى هو الذي سماه يحيى ونحن حينما نسمي أولادنا نختار الاسم الحسن تفاؤلا به، فنسمي ذكي أملا في أن يكون كذلك، ونسمي سعيدا عسى أن يكون سعيدا في حياته. لكن قد يأتي الواقع على خلاف ما نتمنى، نسميه ذكي فيكون غيا، أو سعيد فنراه في الواقع شقيا، ذلك لأننا لا نملك تحقيق ما نتمناه. فإن كان المسمى هو الله تعالى فلا شك أن تسميته تطابق الواقع، لأن الله تعالى لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، ولا أحد يستطيع الاعتراض على أمره. فكانت تسمية يحيى إشارة إلى أنه سيحيا حياة دائمة موصولة، والعلماء أصحاب الفهم عن الله فهموا من ذلك أنه سيموت شهيدا، لأن الشهادة هي التي تضمن له استمرار الحياة، حيث تصل حياته الدنيا بحياة الشهادة عند الله.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٦٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٦٥٥