" انظروا ما فعل الإيمان بصاحبكم ".
إذن: الحرب في الإسلام لحكمة، فهي مثل النار التي تنفي خبث الذهب والحديد فيصير صلبا، لذلك أعد الله هذه الأمة لتكون أمة قتال وشجاعة حتى قبل بعثته صلى الله عليه وسلم. فلما اضطر سيدنا رسول الله للحرب لم يدرب جنودا، ولم يفتح كلية حربية، إنما وجد رجالا متمرسين في فنون القتال، لأن الحروب التي كانت تنشب بين القبائل وتستمر زمنا يصل إلى أربعين سنة جعلت من هذه الأمة جيشا على أهبة الاستعداد، فكانوا كلما سمعوا هيعة طاروا إليها. ثم إنها كانت أمة بدوية تعيش على الترحال، بيوتهم على ظهور الجمال يتبعون مساقط الأمطار ومنابت العشب، وكأن الله تعالى كان يعدهم لحمل هذه الرسالة. ﴿ والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ﴾ [محمد: 4] الذين قتلوا في سبيل الله هم الشهداء ﴿ فلن يضل أعمالهم ﴾ [محمد: 4] لن يبطلها بل يوفيهم أجورهم ويثيبهم عليها، لأن الشهيد وهب حياته لله وضحى بأغلى ما يملك فى سبيل الله، لذلك يجازيه بما لا يخطر على باله من الإكرام والتفضيل. يجازيه بقاعدة
وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ..
[النساء: 86] فلأنه جاد بنفسه في سبيل الله يبرئه الله من الموت مرة أخرى إذن: حياته موصولة بحياة الآخرة، فالشهيد بعد أن يقتل في الدنيا يصير حيا عند الله إلى أن يبعث بهذه الحياة في الآخرة.
وهذا المعنى تنبه إليه الشاعر العربي وهو يمدح حمزة سيد الشهداء فقال:
أحمزة عم المصطفى وسيد
الشهداء أجمعهم طرا
وحسبك من تلك الشهادة عصمة
من الموت في وصل الحياتين بالأخرى
لذلك الذين يعترضون على حياة الشهيد ويقولون: هل لو فتحنا القبر على شهيد سنجده حيا؟ لا ستجده ميتا، لكن هذه نظرة ضيقة لمسألة الحياة والموت، ولتريح نفسك اقرأ:
ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون
[آل عمران: 169]. وتأمل كلمة
عند ربهم..
[آل عمران: 169] ولم يقل عندكم: إنما عند ربهم أحياء بحياة لا يعلمها إلا هو سبحانه، فهذه من الغيبيات التي يجب التسليم بها، فهو حي عند ربه وإن كان ميتا عندكم. ثم في قوله:
يرزقون
[آل عمران: 169] دليل آخر على حياته، لأن الرزق من أسباب استبقاء الحياة.