[الجاثية: 1-2]. فكأن الله تعالى يؤكد على هذه الصفات ويرسخها في نفوس المؤمنين ليزيدهم اطمئنانا به سبحانه وبمنهجه. وكأنه سبحانه يقول لهم: اطمئنوا، فالذي أنعم عليكم قديما بأن أوجدكم من عدم وأحيا مادتكم بروح منه، ثم أمدكم بمقومات الحياة واستبقائها وهداكم إليه بآياته التي تحيي قلوبكم وتعطيكم الحياة الباقية يوم القيامة. فهو سبحانه كما ضمن لكم الماضي يضمن لكم المستقبل، فنعمه لا تسلب، وعطاؤه لا ينفد، لأن له الكبرياء في السماوات والأرض، فلا توجد قوة غيره سبحانه تنقض هذا الخير أو تمنعه عنكم. والحق سبحانه وتعالى حينما يجمع بين صفتي العزة والحكمة إنما ليقول لنا: انتبهوا إذا أصابتكم أحداث تناقض هذه العزة في مشوار الدعوة، فاعلموا أنها ما حدثت إلا لحكمة. فقد يقول قائل مثلا: إذا كان الله عزيزا لا يغلب، فلماذا ترك رسوله لأهل الطائف يؤذونه ويسبونه ويقذفونه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين. نقول: ابحثوا عن الحكمة، فمن الحكمة المرادة لله تعالى حين يعلو الشر أن يمحص أهل الخير، وأن يصفي قاعدة الإسلام بحيث لا يثبت عليه إلا الأشداء في العقيدة الثابتون على الحق، فلا يحيدون عنه، فعلى أكتاف هؤلاء سيحمل الدين وتنتشر الدعوة، فلا بد من التمحيص وتمييز المؤمنين من المنافقين. تذكرون قصة الحديبية عندما رد الكفار رسول الله والمؤمنين الذين جاءوا معه لزيارة البيت الحرام ومنعوهم من دخول مكة وهم على مقربة منها، وقد وافق رسول الله صلى الله عليه وسلم على العودة دون أن يدخل مكة، ودون أن يعتمروا وعقد معهم صلح الحديبية. لذلك غضب المسلمون وكادوا أن يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعودة إلى المدينة،
" حتى إن عمر بن الخطاب يجادل رسول الله يقول له: يا رسول الله ألسنا على الحق؟ يقول رسول الله: بلى، يقول: أليسوا على الباطل؟ يقول: بلى. يقول: فلم نعطي الدنية في ديننا، فيقول له الصديق: الزم غرزك يا عمر، إنه رسول الله "
يعني: الزم حدودك واعرف مركزك. ذلك لأن المسلمين كانوا على شوق للبيت وتحملوا مشقة السفر إليه حتى كانوا على بعد عشرين كيلوا مترا من مكة، وساقوا معهم هديهم واستعدوا للعمرة فشق عليهم أن يمنعوا منها، لذلك تململوا من قرار الرجوع.
" حتى إن سيدنا رسول الله يقول لزوجته السيدة أم سلمة رضي الله عنها: هلك الناس يا أم سلمة. فتقول: ولم؟ قال: أمرتهم فلم يطيعوا، قالت: يا رسول الله اعذرهم فقد جاءوا على شوق للبيت، لكن اذهب يا رسول الله وافعل ما أمرك الله به، فإذا رأوك تفعل عرفوا أن الأمر عزيمة وفعلوا مثلك، فطابت نفس رسول الله وذهب ففعل ".
فلما رآه القوم فعلوا مثله وهدأت نفوسهم إلى قرار رسول الله، وعادوا إلى المدينة دون عمرة، وقبل أن يصلوا إلى المدينة نزل الوحي على سيدنا رسول الله يبين لهم الحكمة التي غابت عنهم ويعطيهم الدرس في أن العزة مقرونة بالحكمة. قال تعالى:
هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشآء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما
[الفتح: 25]. فالحكمة إذن في منعهم من دخول مكة هذا العام، لأن فيها إخوانا لهم آمنوا سرا وستروا إيمانهم، فلو دخلوا معهم في معركة لالتقى المؤمنون وجها لوجه، ولقتلتم إخوانكم وأصابتكم معرة بسبب ذلك. يعني: إثم أو سبة وعار.