[البقرة: 178] تأمل كلمة أخيه هنا، فرغم العداوة هم إخوة:
فاتباع بالمعروف وأدآء إليه بإحسان..
[البقرة: 178]. وكثيرا ما نسمع من يقول: دفعت بالتي هي أحسن ولم أجد النتيجة التي أخبر الله بها، نقول له: أنت في الواقع لم تدفع بالتي هي أحسن لأنك لو فعلت لوجدت الجواب كما أخبر الله، لكنك تخيلت أنك دفعت بالتي هي أحسن وجعلتها تجربة مع الله، والتجربة مع الله شك. ثم يرتقي الحق سبحانه بالنفس الإنسانية إلى مرتبة أعلى من الغفر، لأنك قد تغفر لمن أساء إليك، لكن يبقى في نفسك منه شيء فيدعوك إلى أن تتخلص من آثار الإساءة ثم ينقلك إلى مرتبة أعلى، وهي أن تحسن لمن أساء إليك:
والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين
[آل عمران: 134]. وقد سئل الحسن البصري فقال: لأن الذي يسيئ إليك يجعل ربك في جانبك، والذي يجعل ربي في جانبي يستحق أن يكافأ، ثم هو بعد ذلك نقل إلي حسناته. لذلك الرجل الصوفي لما بلغه أن رجلا سبه في مجلس أرسل إليه هدية طبقا من الرطب وقال لخادمه: اذهب به إلى فلان وقل له: سيدي يهديك هذا لأنك أهديت إليه حسناته بالأمس. ونحن نرى في واقع حياتنا العملية حينما يضرب أحد الأولاد أخاه تجد الوالد يعطف على المضروب و يطبطب عليه وينهر الضارب ويؤنبه، فكأن الضرب جاء في مصلحة المضروب. إذن: الحق سبحانه يريد أن يحنن الخلق بعضهم على بعض، ومعنى ذلك أن الحياة تبنى على المودة والمحبة لا على البغضاء والشحناء، تبنى على التساند ولا على التعاند. لذلك العلماء لما عالجوا هذه المسألة جعلوا المصيبة التي تصيب المرء على قسمين: مصيبة تصيبك ولك فيها خصم، ومصيبة ليس لك فيها خصم، الأولى يتسبب فيها شخص فتأخذه خصما لك، وهذه تكون أشد على النفس لأنها تدعوك إلى الانتقام. والأخرى هي التي تكون من الله لا دخل لإنسان فيها، وهذه أهون وأخف على النفس حيث لا خصم فيها، فالخصم من شأنه أن يحرك في نفسك نوازع الانتقام كلما رأيته. لذلك جاء في وصية لقمان لولده:
واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور
[لقمان: 17] والمراد هنا المصيبة تصيبك من الله، لذلك لم يأت أمر بالمغفرة والتسامح، وحينما يتكلم عن المصيبة تصيبك من البشر يقول:
ولمن صبر وغفر..
[الشورى: 43] أي: غفر للخصم.
إن ذلك لمن عزم الأمور
[الشورى: 43] فزاد هنا التأكيد باللام في
لمن عزم الأمور
[الشورى: 43] لأن الصبر في هذه الحالة أشق، ويحتاج إلى مجهود ومجاهدة أكثر من الأولى. وقوله تعالى في آخر الآية: ﴿ ليجزي قوما بما كانوا يكسبون ﴾ [الجاثية: 14] دل على عدالة الجزاء، وأنه من جنس العمل، وقد أوضح الحق سبحانه هذه المسألة في الآية بعدها: ﴿ من عمل صلحا فلنفسه... ﴾.