من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا..
[البقرة: 245] ضحك وقال: افتقر رب محمد ويطلب منا السلف، وهي كلمة شفى بها ما في صدره من غل، ومع ذلك كانوا في كل معركة وفي كل صلاة في الصف الأول. فالحق سبحانه وتعالى حين أمر المؤمنين أن يغفروا لهؤلاء المنافقين إنما ليذل المنافق أمام نفسه، لذلك أثار المستشرقون ضجة حول قوله تعالى:
إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله..
[المنافقون: 1] فكيف يقول بعدها
والله يشهد إن المنافقين لكاذبون
[المنافقون: 1]. ذلك لأن هناك فرقا بين القول ومقول القول، فهم صادقون في مقول القول، وهو
إنك لرسول الله..
[المنافقون: 1] لكنهم كاذبون في القول لأنهم منافقون. فالحق سبحانه لم يكذبهم في إنك رسول الله. إنما كذبهم في قولهم
نشهد إنك لرسول الله..
[المنافقون: 1] لأن الشهادة تعني موافقة القلب للسان، والمنافق قلبه في واد ولسانه في واد آخر. إذن: معنى ﴿ أيام الله.. ﴾ [الجاثية: 14] الأحداث المشهورة مثل يوم بدر وأحد والحديبية، وهذه الأيام فيها نصر للمسلمين يفرحهم ويثلج صدورهم، وفيها هزيمة للكافرين تحزنهم وتكدر حياتهم، ومثلها الوقائع التي حدثت في الأمم المكذبة للرسل. وهؤلاء المنافقون لا يخافون هذه الوقائع بمعنى لا يعتبرون بها، لذلك لم تصرفهم عن اللدد والجدال والعناد، وهذه المسألة شرحها الحق سبحانه في قوله:
فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا..
[العنكبوت: 40]. وقوله سبحانه: ﴿ ليجزي قوما بما كانوا يكسبون ﴾ [الجاثية: 14] فكأن الحق سبحانه يقول لنبيه: اتركهم لي. إذن: الأمر بالمغفرة لهؤلاء ليس إكراما لهم ولا رحمة بهم إنما ليوقع بهم عذابا أكبر وأشد، وليتولى الحق سبحانه تأديبهم بقوته سبحانه. إذن: خلوا ساحتهم لانتقام الله منهم، لأنهم في واقع الأمر لا يقفون ضدكم، إنما يقفون ضد الحق سبحانه. ثم إن المغفرة لها أصول ولها حدود، فأنت تغفر لمن أساء وتغفر وتغفر، ولا تجد في المقابل إلا اللدد والجحود، وعندها لا بد أن تتحول من الحلم إلى الجهل فهو أنفع وأنسب في هذا الموقف. وقد فطن الشاعر العربي إلى هذا المعنى: فقال:
من الحلم أن تستعمل الجهل دونه
إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم
وقال الآخر:
صفحنا عن بني ذهل
وقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجعن
قوما كالذي كانوا
فلما صرح الشر
وأمسى وهو عريان
مشينا مشية الليث
غدا والليث غضبان
بضرب فيه توهين
وإضعاف وإقران
وطعن كفم الزق
غدا والزق ملآن
وبعض الحلم عند
الجهل للذلة إذعان
وفي الشر نجاة حين
لا ينجيك إحسان
وقوله تعالى ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ [الجاثية: 14] سبق أن أوضحنا أن كسب تقال في الخير واكتسب للشر، لأن فيها افتعالا، فالخير يأتي من فاعله طبيعيا لا تكلف فيه والكسب في اللغة هو الزيادة في ثمن البيع عن ثمن الشراء، وهذا أمر محمود. لكن قد يتعود المرء المعصية ويألفها، ولا يأنف من ارتكابها، وربما تباهي بها فتصير في حقه كسبا فيفعل المعصية كما تفعل أنت الطاعة، يعني لا يندم على فعلها ولا تؤنبه نفسه عليها، فكأن هؤلاء يعتبرون المعصية كسبا يفرحون به، لذلك قال: ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ [الجاثية: 14] ولم يقل: يكتسبون. إذن: أمر الحق سبحانه المؤمنين أن يغفروا الزلة الخفيفة دفعا بالتي هي أحسن لعل المقابل يرتدع، قال تعالى:
ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم
[فصلت: 34]. فالشارع الحكيم يحرص كل الحرص على الإبقاء على الروابط بين الناس، حتى في أعنف معارك العداوة وهي القتل تراه يبيح القصاص
ولكم في القصاص حيوة يأولي الألباب..
[البقرة: 179]. وفي ذات الوقت يدعو إلى العفو:
فمن عفي له من أخيه شيء..