بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء بأمر ربها..
[الأحقاف: 25] وقال:
وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم * ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم
[الذاريات: 41-42]. وقوله: ﴿ ءايت لقوم يعقلون ﴾ [الجاثية: 5] لأن العقل هو الذي يستقبل الأحداث ويناقشها ويفاضل بين القضايا، ويستخلص منها الحق، ويلقيه إلى القلب فيصير عقيدة راسخة لا تقبل الشك.
ورحم الله الفخر الرازي الذي أجرى مقارنة علمية دقيقة بين هذه الآيات في الجاثية بداية من قوله تعالى: ﴿ إن في السموت والأرض لأيت للمؤمنين ﴾ [الجاثية: 3] إلى ﴿ لقوم يعقلون ﴾ [الجاثية: 5] وبين الآية 164 من سورة البقرة:
إن في خلق السموت والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ومآ أنزل الله من السمآء من مآء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دآبة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السمآء والأرض لآيات لقوم يعقلون
[البقرة: 164]. أولا: وجد الاختلاف الأول بين الموضعين أن الجاثية فيها
إن في السموت والأرض..
[الجاثية: 3] أما البقرة
إن في خلق السموت والأرض..
[البقرة: 164] وهما بمعنى واحد، لأن الخلق حدث الإيجاد، فالحدث نفسه يسمى خلقا، ويطلق أيضا على المخلوق بدليل قوله تعالى:
هذا خلق الله
[لقمان: 11] أي مخلوقه. إذن: المعنى في الموضعين واحد. ثانيا: عد الآيات الكونية المذكورة في الجاثية فوجدها ست آيات، وفي البقرة ثماني آيات، فلما بحث الزيادة في البقرة وجدها في قوله تعالى:
والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس..
[البقرة: 164]
والسحاب المسخر بين السمآء والأرض..
[البقرة: 164]. فقال: هاتان الآيتان في الفلك وفي السحاب أغنى عنهما قوله تعالى في الجاثية ﴿ وتصريف الرياح ﴾ [الجاثية: 5] لأنهما يجريان بحركة الرياح. الاختلاف الأخير بين الموضعين أن آية البقرة ختمت بمقطع واحد هو ﴿ لآيات لقوم يعقلون ﴾ [البقرة: 164] أما آيات الجاثية ففيها ثلاثة مقاطع هي: ﴿ لأيت للمؤمنين ﴾ [الجاثية: 3] ﴿ ءايت لقوم يوقنون ﴾ [الجاثية: 4] ﴿ ءايت لقوم يعقلون ﴾ [الجاثية: 5]. المؤمن ساعة يسمع من الله يصدق ويؤمن بما أخبر الله به، واليقين يكون لدى طالب الحقيقة الذي يبحث عنها في قضية علمية يريد أن يصل إلى اليقين من خلالها. والإنسان إذا لم يكن مؤمنا واثقا ولا طالبا للحقيقة فلا أقل من قدر من العقل يميز به بين الأشياء، ويعرف به ماذا يأكل؟ وماذا يشرب؟ وماذا يأخذ؟ وماذا يدع. إذن: هذه المقاطع الثلاثة تمثل مراحل الإدراك السليم. والتعقل هو أدنى مرتبة، لذلك ختمت بها آية البقرة.