ولا اليل سابق النهار..
[يس: 40] فوافقهم في أن النهار لا يسبق الليل وعدل لهم
ولا اليل سابق النهار..
[يس: 40]. إذن: خلقا في وقت واحد، وهذا لا يكون أبدا إلا إذا كانت الأرض مكورة. فلا سبق لأحدهما على الآخر. وقوله سبحانه: ﴿ ومآ أنزل الله من السمآء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها.. ﴾ [الجاثية: 5] أنزل الله من السماء آيات كثيرة منها المادي ومنها المعنوي، المعنوي هو الكتاب الذي أنزله على رسول الله لهداية الخلق، والمادي مثل المطر وسماه رزقا لأنه سبب الرزق حين ينزل على الأرض فيحييها بالنبات والثمار. وكل رزق جاء من جهة العلو الخالقة فهو منزل، حتى لو كان في باطن الأرض لذلك قال سبحانه عن الحديد:
وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس..
[الحديد: 25] لذلك جعله الله أداة لإثبات قدرته تعالى للمعاندين للدين، فقال في ختام الآية:
وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب..
[الحديد: 25]. وقوله: ﴿ من السمآء.. ﴾ [الجاثية: 5] معلوم أن السماء ليست محلا للماء، الماء في السحاب وهو كما قلنا ضاحية من ضواحي الأرض وتابع لها، أما السماء فشيء آخر أبعد من أن يتصوره العقل، والمراد: من جهة السماء. والمتأمل في دورة الماء في الطبيعة يجد أنه في الأرض حيث ثلاثة أرباع الكرة الأرضية ماء، وغالبه الماء المالح، وهذا لحكمة أن نسبة الملح في الماء تحفظه من التغير والعطن، وبالبخر تتكون السحب وينزل المطر يحمل الماء العذب الصالح للشرب وللزراعة وغيرها. ومن آيات الله في الماء أن تتسع رقعة الماء المالح لتتسع رقعة البخر، وبالتالي تزيد مساحة تبخر الماء العذب الذي يكفي بعد ذلك لحياة الأحياء على الأرض، ثم تجد ملوحة الماء في البحار والمحيطات بالقدر المناسب الذي يحفظ الماء من الفساد ويسمح بمعيشة الأسماك والحيوانات البحرية الأخرى.
ولو زادت الملوحة عن هذا الحد لماتت فيها الثروة السمكية، كما نجد مثلا في البحر الميت، حيث تزيد فيه نسبة الملوحة لأنه مغلق ولا يأتيه مدد من روافد أخرى تقلل من ملوحته. ولنعرف قدرة الله في إنزال الماء العذب من السحاب هذا الماء الذي يكفي للشرب ولزراعة الأرض، انظر كم تتكلف زجاجة الماء المقطر حين تعدها في المعمل، هذا الماء ينزل لك من السماء عذبا صافيا زلالا دون مجهود منك ودون نفقات. هذا الماء في حد ذاته آية من آيات الله، لأن به تكون الحياة، لذلك سماه القرآن رزقا، البعض قال: يعني سبب في الرزق والبعض قال: لا بل هو نفسه رزق، هو سبب في الرزق حينما نروي به الزرع، لكن هو رزق حينما نشربه أو ندخله في الطعام. وقوله: ﴿ فأحيا به الأرض بعد موتها.. ﴾ [الجاثية: 5] وهذه آية أخرى، والأرض الميتة هي الجرداء القاحلة التي لا نبت فيها، فالله يحييها بالنبات كما قال في آية أخرى:
وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت..
[الحج: 5]. ثم ينتقل إلى آية أخرى ﴿ وتصريف الرياح.. ﴾ [الجاثية: 5]. تصريف الرياح يعني: تغيير اتجاهها من هنا إلى هناك، أو تغيير أحوالها، فهي مرة نسيم لطيف، ومرة ريح عاصف، ومرة تكون حارة، ومرة باردة، مرة معمرة ومرة مدمرة. هذه كلها أحوال للرياح يصرفها خالقها عز وجل كيف يشاء، ولا يصرفها غيره. وحين تدقق وتتأمل في عملية تصريف الرياح تجد فيها مظهرا من مظاهر الإعجاز للخالق سبحانه، انظر إلى هذه الأبراج وناطحات السحاب، واسأل نفسك من يقيم هذه الأبنية العملاقة؟ ومن يسندها فلا تميل رغم هبوب العواصف عليها؟ الذي يسندها هو الهواء الذي يحيط بها من كل ناحية، ولو فرغت جانبا منها من الهواء لانهارت في هذا الجانب الفارغ من الهواء. إذن: الهواء هو الذي يحفظ توازنها، لذلك ساعة تجد القرآن يستعمل كلمة الريح بصيغة الجمع فاعلم أنها للعمار وللخير، وساعة تكون مفردة فهي للدمار وللخراب. الريح الواحدة تدمر، والرياح تسند وتعمر، لأن هذه تأتي من ناحية واحدة، وهذه تأتي من جميع النواحي فتحدث التوازن المطلوب. واقرأ هنا في سياق الحديث عن آيات الله وتعداد نعمه: ﴿ وتصريف الرياح.. ﴾ [الجاثية: 5] وفي آية أخرى قال سبحانه: