فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم
[العنكبوت: 26]. فهذه لقطة من القصة، وليس تكرارا لها كما يدعي البعض، فالقصص في القرآن لا يأتي سردا جملة واحدة، إنما يأتي لقطات مختلفة يذكرها في مناسبتها. وقد وقف السطحيون في مسألة عصا موسى يتهمون القرآن بالتكرار، وهذا نتيجة قصورهم في فهم كتاب الله، فالأمر الأول بإلقاء العصا كان في مجال الإيناس، حيث أراد الحق سبحانه أن يجري لموسى هذه التجربة بينه وبين ربه، بدليل سؤال الإيناس.
وما تلك بيمينك يموسى
[طه: 17] فالله يعلم ما في يمينه، لكن أراد سبحانه أن يؤنسه لذلك أطال سيدنا موسى في الجواب، فقال:
قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى
[طه: 18] ثم أمره الله أن يلقيها:
قال ألقها يموسى * فألقاها فإذا هي حية تسعى * قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى
[طه: 19-21]. إذن: أراد الحق سبحانه أن يدرب موسى، حتى إذا جاء لقاؤه مع فرعون ورأى العصا حية على الحقيقة، كان لديه دربة ولا يخاف. ثم كان الأمر بإلقاء العصا في المرة الأخرى في موقف آخر أمام فرعون والسحرة. إذن: هذا موقف، وهذا موقف آخر. وإن شاء سبحانه أورد القصة كاملة، كما في قصة سيدنا يوسف - عليه السلام - ربما ليتحقق لها الحبكة الفنية كما يقول نقاد الأدب، وربما لأن العبرة والعظة لا تتم إلا بتمام القصة لأن القصة في القرآن ليست سردا لتاريخ، ولا مجالا للتسلية، إنما تساق للعبرة والعظة، وتساق لتسلية سيدنا رسول الله.
فمهمة رسول الله أمام مجابهة قومه له باللدد والخصومة والعناد والكفر كانت تقتضي أن يثبته الله في كل آونة، فكلما احتاج إلى تثبيت نزلت عليه الآيات تحمل لقطة مناسبة من موكب الرسالات، ثم يسلي الله رسوله فيقول له: لأنك سيد الرسل وخاتم الرسل ومبعوث إلى الناس كافة إلى آخر الزمان، فلا بد أن تتضاعف لك المتاعب من قومك. وسبق أن مثلنا لذلك، وقلنا: إننا شاهدنا مثلا ثورة يوليو 1952 وما زلنا نشهد الاحتفال بذكراها كل عام، ونستمع إلى قصتها وما دار فيها، لكن كل سنة نستدرك عليها شيئا جديدا، ونستخلص منها دروسا. إذن: نقول جاء القصص القرآني كل لقطة في مناسبتها لتثبيت رسول الله كما قال تعالى:
كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا
[الفرقان: 32]. يقول سبحانه: ﴿ وإن لوطا لمن المرسلين * إذ نجيناه وأهله أجمعين * إلا عجوزا في الغابرين * ثم دمرنا الآخرين ﴾ [الصافات: 133-136] أي: بالقصف والرجم. كلمة وأهله الأهل تطلق على عشيرة الرجل الأقربين، وتطلق على الزوجة، والحق سبحانه وتعالى أخبر هنا أنه نجى لوطا وأهله أجمعين، واستثنى منهم امرأته ﴿ إلا عجوزا في الغابرين ﴾ [الصافات: 135]، وفي آية أخرى قال:
إلا امرأتك كانت من الغابرين
[العنكبوت: 33] والغابرون جمع: غابر ويطلق الغابر على معنيين متقابلين. الغابر: يعني الشيء الذي مضى وانتهى، والغابر الباقي، وقد اجتمع لامرأة لوط المعنيان معا، فهي من الغابرين الذين تركناهم للهلاك، أو من الغابرين يعني الباقين أيضا للعذاب حتى يأتي. ثم يذكرنا الحق سبحانه بأن القصة في القرآن لا تساق للتسلية، إنما تساق للعبرة والعظة، فيقول: ﴿ وإنكم لتمرون عليهم ﴾ [الصافات: 137] أي: على آثارهم في سدوم ﴿ مصبحين ﴾ [الصافات: 137] في الصباح ﴿ وباليل أفلا تعقلون ﴾ [الصافات: 138] نعم، يمرون عليهم في رحلاتهم وأسفارهم وفي تجارتهم في رحلة الشتاء والصيف، ويشاهدون آثارهم وما تبقى من ديارهم. كانت هذه لقطة موجزة، وبرقية عاجلة لقصة سيدنا لوط مع قومه ومثلها تماما قصة سيدنا يونس: ﴿ وإن يونس لمن المرسلين... ﴾.