تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا..

[الشورى: 51]. وإلا لو كلم الله جميع البشر، فما الحاجة للرسل؟ لذلك لما سئل الإمام علي رضي الله عنه: أعرفت ربك بمحمد، أم عرفت محمدا بربك؟ فقال: لو عرفت ربي بمحمد لكان محمد أوثق عندي من ربي، ولو عرفت محمدا بربي، فما الحاجة إذن للرسل، لكن عرفت ربي بربي، وجاء محمد، فبلغني مراد ربي منى. إذن: لا بد من هذه الواسطة. والحق سبحانه يعطينا في القرآن مثالا يوضح هذه المسألة في قوله تعالى عن سيدنا موسى:

قال رب أرني أنظر إليك..

[الأعراف: 143] فبماذا أجابه ربه؟

قال لن تراني..

[الأعراف: 143] ولم يقل سبحانه: أنا لا أرى، والمعنى: لو أعددتك الإعداد المناسب لهذه الرؤية لرأيت بدليل أننا سنعد في الآخرة على هيئة نرى فيها الله عز وجل:

وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة

[القيامة: 22-23]. وفي المقابل يقول عن الكفار الذين سيحرمون هذه الرؤية

كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون

[المطففين: 15]. ثم لما تجلى الحق سبحانه للجبل، وهو الجنس الأقوى من موسى مادة وصلابة أندك الجبل، ونظر موسى إلى الجبل المتجلي عليه فخر صعقا، فما بالك لو نظر إلى المتجلي سبحانه؟ إذن: الحق سبحانه حينما يريد أن يخاطب أحدا من خلقه، أو يتجلى عليه يعده لذلك، ويربيه على عينه، كما قال عن موسى

ولتصنع على عيني

[طه: 39] وقال في موضع آخر:

واصطنعتك لنفسي

[طه: 41] ثم يقوم هذا المربي الذي رباه الله بتربية الخلق. وقد ربى محمد صلى الله عليه وسلم أمته في ثلاث وعشرين سنة، ولو أن الله تعالى خاطب كل إنسان بالمنهج لاستغرقت تربية الناس وقتا طويلا لذلك يصطفي الله الرسل، ويعطيهم من الخصائص ما يمكنهم من تربية الأمم بعد أن رباهم الله، واصطنعهم على عينه. إذن: كان ولا بد من إرسال الرسل للبلاغ عن الله: من هو، ما اسمه، ما صفاته؟ ما مطلوباته؟ ماذا أعد لمن اطاعه؟ وماذا أعد لمن عصاه.. إلخ. لذلك فأول دليل على بطلان الشرك أن تقول للذي يشرك الشمس أو القمر أو الأصنام مع الله في العبادة: وماذا قالت لك هذه الأشياء؟ ما مطلوباتها؟ ما مرادها منك؟ وإلا، فلماذا تعبدها والعبادة في أوضح معانيها: طاعة العابد لأمر المعبود ونهيه؟ فإن قلت: إذن لماذا قبلت عقول هؤلاء القوم أن يعبدوا هذه الأشياء؟ نقول: لأن التدين طبيعة في النفس البشرية ومركوز في الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وسبق أن أوضحنا أن كلا منا فيه ذرة حية من أبيه - عليه السلام - لم يطرأ عليها الفناء، وإلا لما وجد الإنسان، وهذه الذرة في كل منا هي التي شهدت الفطرة، وشهدت الخلق، وشهدت العهد الذي أخذه الله علينا جميعا

ألست بربكم..

[الأعراف: 172]. فإن حافظت على إشراقية هذه الذرة فيك، ولم تعرضها لما يطمس نورها - ولا يكون ذلك إلا بالسير على منهج خالقك وبناء لبنات جسمه مما أحل الله - إن فعلت ذلك أنار الله وجهك وبصيرتك. لذلك جاء في الحديث أن العبد يشكو: يقول

" دعوت فلم يستجب لي، لكن أنى يستجاب له، ومطعمه من حرام، ومشربه من حرام، وملبسه من حرام؟ "

كيف وقد طمس الذرة النورانية فيه، وغفل عن قانون صيانتها؟ واقرأ قوله تعالى:

فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى

[طه: 123-124]. فالمعيشة الضنك والعياذ بالله تأتي حين تنطمس النورانية الإيمانية، وحين لا تحافظ على إشراقية هذه الذرة التي شهدت خلق الله، وشهدت له بالربوبية، ولو حافظت عليها لظلت كل التعاليم واضحة أمامك، وما غفلت عن منهج ربك هذه الغفلة التي جرت عليك المعيشة الضنك، واقرأ قول الله تعالى:

يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا..

[الأنفال: 29] أي: نورا يهديكم وتفرقون به بين الحق والباطل.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥٤٧