تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذلك لأنهم عباد الله وصنعته، وهل رأيتم صاحب صنعة يحطم صنعته، وجاء في الحديث النبوي:

" الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره، وقد أضله في أرض فلاة ".

إذن: فنعم الرب هو. ويروى أن سيدنا إبراهيم - عليه السلام - جاءه ضيف، فرأى أن سمته غير سمت المؤمنين، فسأله عن دينه فقال: إنه من عباد النار، فرد إبراهيم الباب في وجهه، فانصرف الرجل، فعاتب الله نبيه إبراهيم في شأن هذا الرجل فقال: يا إبراهيم، تريد أن تصرفه عن دينه لضيافة ليلة، وقد وسعته طوال عمره، وهو كافر بي؟ فأسرع إبراهيم خلف الرجل حتى لحق به، وأخبره بما كان من عتاب الله له، فقال الرجل: نعم الرب رب يعاتب أحبابه في أعدائه، ثم شهد ألا إله إلا الله. فلو أن الكافر الذي يريد الكفر لغيره يعرف أن الله يوصي به وهو كافر، ويرقق له القلوب لعاد إلى ساحة الإيمان بالله لذلك كثيرا ما نقابل أصحاب ديانات أخرى يعشقون الإسلام فيختارونه، فيغضب عليهم أهلهم فنقول للواحد منهم: كن في دينك الجديد أبر بهم من دينك القديم، ليعلموا محاسن دينك، فضاعف لهم البر، وضاعف لهم المعروف، لعل ذلك يرقق قلوبهم ويعطفهم نحو دينك. وتأمل عظمة الأسلوب في ﴿ وصاحبهما في الدنيا معروفا.. ﴾ [لقمان: 15] فلم يقل مثلا أعطهم معروفا، إنما جعل المعروف مصاحبة تقتضي متابعتهما وتفقد شأنهما، بحيث يعرف الابن حاجة أبويه، ويعطيهما قبل أن يسألا، فلا يلجئهما إلى ذل السؤال، وهذا في ذاته إحسان آخر. كالرجل الذي طرق بابه صديق له، فلما فتح له الباب أسر له الصديق بشيء فدخل الرجل وأعطى صديقه ما طلب، ثم دخل بيته يبكي فسألته زوجته: لم تبكي وقد وصلته؟ فقال: أبكي لأنني لم أتفقد حاله فأعطيه قبل أن يذل نفسه بالسؤال. والحق - تبارك وتعالى - حين يقول بعد الوصية بالوالدين: ﴿ إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ﴾ [لقمان: 15] إنما لينبهنا أن البر بالوالدين ومصاحبتهما بالمعروف لم ينسى لك ذلك، إنما سيكتب لك، وسيكون في ميزانك لأنك أطعت تكليفي وأمري، وأديت، فلك الجزاء لأنك عملت عملا إيمانيا لا بد أن تثاب عليه.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥٣٢