يعني: يذهب الشعراء إليهم لينالوا من خيراتهم.
فقلنا أكرم الثقلين طرا
ومن كفيه دجلة والفرات
وقالوا يقبل المدحاة لكن
جوائزه عليهن الصلاة
فقلت لهم وما تغني صلاتي
عيالي إنما الشأن الزكاة
فيأمر لي بكسر الصاد منها
فتصبح لي الصلات هي الصلاة
فلما تجرأ عليه أحدهم وسأله: لماذا تعاقب من لم يعجبك شعره بصلاة مائة ركعة؟ فقال: لأنه إما مسيء وإما محسن، فإن كان مسيئا فهي كفارة لإساءته في شعره، وإن كان محسنا فهي كفارة لكذبه في. ثم يقول سبحانه في وصفهم: ﴿ وهم بالآخرة هم يوقنون ﴾ [لقمان: 4] لأن الإيمان باليوم الآخر يقتضي أن نعمل بمنهج الله في افعل كذا و لا تفعل كذا، ونحن على يقين من أننا لن نفلت من الله ولن نهرب من عقابه في الآخرة، وأننا محاسبون على أعمالنا، فلم نخلق عبثا، ولن نترك سدى، كما قال سبحانه:
أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون
[المؤمنون: 115]. ونلحظ هنا في الأسلوب تكرار ضمير الغيبة هم فقال: ﴿ وهم بالآخرة هم يوقنون ﴾ [لقمان: 4] وهذا يدلنا على أن الإيمان بالآخرة أمر مؤكد لا شك فيه، ومع أن الناس يؤمنون بهذا اليوم، ويؤمنون أنهم محاسبون، وأن الله لم يكلفهم عبثا - مع هذا - يؤكد الحق سبحانه على أمر الآخرة لأنها مسألة بعيدة في نظر الناس، وربما غفلوا عنها لبعدها عنهم، ولم لا وهم يغفلون حتى عن الموت الذي يرونه أمامهم كل يوم، ولكن عادة الإنسان أن يستبعده في حق نفسه. لذلك يقول الحسن البصري: ما رأيت يقينا أشبه بالشك من يقين الناس بالموت. أما الكفار فينكرون هذا اليوم، ولا يؤمنون به لذلك أكد الله عليه.
ولما
" سأل النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة رضي الله عنه: " كيف أصبحت يا حذيفة؟ " قال: أصبحت مؤمنا حقا، فقال: " لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي ذهبها ومدرها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون، وإلى أهل النار في النار يعذبون " فقال صلى الله عليه وسلم: " عرفت فالزم ".
وقوله ﴿ يوقنون ﴾ [لقمان: 4] من اليقين، وهو الإيمان الراسخ الذي لا يتزعزع، ولا يطرأ عليه شك فيطفو إلى العقل ليناقش من جديد وسبق أن قلنا: إن المعلومة تتدرج على ثلاث مراحل: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين. علم اليقين إذا أخبرك به من تثق به، فإذا رأيت ما أخبرك به فهو عين اليقين، فإذا باشرت ذلك بنفسك فهو حق اليقين. وضربنا لذلك مثلا إذا قلت لك: إن البيت الحرام في مكة وصفته كذا وكذا، وقد حدثت فيه توسعات كذا وكذا، فهذه المعلومات بالنسبة لك علم يقين، فإذا رأيت الحرم فهي عين يقين، فإذا يسر الله لك الحج أو العمرة فباشرته بنفسك، فهو حق اليقين. والحق سبحانه وتعالى عالج هذه المراتب في سورتين:
ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر * كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون * كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين * ثم لتسألن يومئذ عن النعيم
[التكاثر: 1-8]. وذلك حين يمرون على الصراط ويرون النار بأعينهم رأي العين. أما حق اليقين بالنسبة للنار، فقد جاء في قوله تعالى:
فأمآ إن كان من المقربين * فروح وريحان وجنت نعيم * وأمآ إن كان من أصحاب اليمين * فسلام لك من أصحاب اليمين * وأمآ إن كان من المكذبين الضآلين * فنزل من حميم * وتصلية جحيم * إن هذا لهو حق اليقين * فسبح باسم ربك العظيم
[الواقعة: 88-96]. لكن، هل القرآن نزل هدى للمتقين، وهدى للمحسنين فحسب؟ قلنا: إن الهداية تأتي بمعنيين: هداية دلالة وإرشاد، وهداية توفيق ومعونة، فإن كانت هداية دلالة فقد دل الله المؤمن والكافر بدليل قوله تعالى:
وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى
[فصلت: 17]. فالحق سبحانه دل الجميع لأنهم عباده، فمنهم من قبل الدلالة واقتنع بها فآمن، ومنهم من رفضها فكفر، أما الذي قبل دلالة الله وآمن به فيزيده الله هداية أخرى، هي المعونة على الإيمان، فيحببه إليه حتى يعشقه، ثم يعينه عليه، كما قال سبحانه