تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد كنت أحفظ من القرآن الكريم ما يقارب من عشرة أجزاء ومنذ ثلاث سنوات نسيت ما كنت أحفظه إلا قليلا وذلك بسبب دراستي فهل علي إثم في ذلك وهل أدخل في قوله تعالى (كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا تدخل في هذه الآية لأن قوله تعالى (كذلك أتتك آياتنا فنسيتها) المراد فتركتها يعني فتركت العمل بها ولم ترفع بها رأسا ولم تر في مخالفتها بأسا هذا معنى النسيان هنا والنسيان يأتي بمعنى الترك كما في قول الله تعالى (نسوا الله فنسيهم) أي تركهم لأن الرب عز وجل لا ينسى النسيان الذي هو ضد الذكر ولكن لا ينبغي لمن من الله عليه بحفظ القرآن أن يهمله حتى ينساه بل يحافظ عليه ويتعهده لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بذلك فقال (تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها) فإذا أمكنك الآن وأرجو أن يمكنك أن تعيد ما مضى فإن استعادته سهلة فاستعن بالله والتفت إلى القرآن واستذكر ما نسيت واسأل الله أن يفتح عليك وأن يذكرك ما نسيت.

***

سالم محمد سالم مصري يقول ما معنى قوله تعالى (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (124) قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) وهل ينطبق معناها على من حفظ شيئا من القرآن ثم نسيه بسبب الإهمال وقلة الفراغ وعدم المداومة على قراءته؟

فأجاب رحمه الله تعالى: معنى قوله تعالى (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا) أن كل من أعرض عن ذكر الله وهذا يشمل الإعراض عن ذكره الذي هو القرآن والوحي الذي أنزله على أنبيائه ورسله ويشمل الذكر الذي هو ذكر الله تعالى بالقلب وباللسان وبالجوارح فمن أعرض عن هذا وهذا فإنه يعاقب بهذه العقوبة العظيمة فإن له معيشة ضنكا وهذه المعيشة الضنك قيل إن المراد بها تضييق القبر عليه بعد موته وقيل إن المراد بها ما هو أعم وحتى وإن بقي في دنياه فإنه لا يكون منشرح الصدر ولا يكون مطمئن القلب وذلك لأنه لا عيش أنعم ولا أطيب من عيش من آمن بالله وعمل صالحا كما قال الله تعالى (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) وقال بعض السلف لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف لأن الإيمان مع العمل الصالح يوجب للإنسان الانشراح والطمأنينة ويكون في قلبه نور ويكون راضيا بقضاء الله وقدره في المكاره والمحاب فلا يوجد أحد أنعم منه وهذا القول أقرب إلى الصواب أن المعيشة الضنك تشمل هذا وهذا في القبر وكذلك في الدنيا أما بعد الحشر فإنه يحشر والعياذ بالله يوم القيامة أعمى كما قال الله تعالى (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا) وحينئذ يسأل لا سؤال استعتاب ولكن سؤال استظهار لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا وهذا لأجل إقامة الحجة عليه وخزيه والعياذ بالله يوم القيامة فيقول الله له (كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (126) وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه) .

***

فتاوى نور على الدرب · الجزء ٥ · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتاوى نور على الدربج ٥ · ص ١١