تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. ثم أخبر تعالى عما يبطل الصدقة ويضيع ثوابها فقال ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ أي لا تحبطوا أجرها بالمن والأذى ﴿ كالذي ينفق ماله رئآء الناس ﴾ أي كالمرائي الذي يبطل إنفاقه بالرياء ﴿ ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ أي لا يصدق بلقاء الله ليرجو ثوابا أو يخشى عقابا ﴿ فمثله كمثل صفوان عليه تراب ﴾ أي مثل ذلك المرائي بإنفاقه كمثل الحجر الأملس الذي عليه شيء من التراب يظنه الظان أرضا طيبة منبتة ﴿ فأصابه وابل فتركه صلدا ﴾ أي فإذا أصابه مطر شديد أذهب عنه التراب فيبقى صلدا أملس ليس عليه شيء من الغبار أصلا كذلك هذا المنافق يظن أن له أعمالا صالحة فإذا كان يوم القيامة اضمحلت وذهبت ولهذا قال تعالى ﴿ لا يقدرون على شيء مما كسبوا ﴾ أي لا يجدون له ثوابا في الآخرة فلا ينتفع بشيء منها أصلا ﴿ والله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ أي لا يهديهم إلى طريق الخير والرشاد.. ثم ضرب تعالى مثلا آخر للمؤمن المنفق ماله ابتغاء مرضاة الله فقال ﴿ ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغآء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم ﴾ أي ينفقونها طلبا لمرضاته وتصديقا بلقائه تحقيقا للثواب عليه ﴿ كمثل جنة بربوة ﴾ أي كمثل بستان كثير الشجر بمكان مرتفع من الأرض، وخصت بالربوة لحسن شجرها وزكاء ثمرها ﴿ أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين ﴾ أي أصابها مطر غزير فأخرجت ثمارها جنية مضاعفة، ضعفي ثمر غيرها من الأرض ﴿ فإن لم يصبها وابل فطل ﴾ أي فإن لم ينزل عليها المطر الغزير فيكفيها المطر الخفيف أو يكفيها الندى لجودتها وكرم منبتها ولطافة هوائها فهي تنتج على كل حال ﴿ والله بما تعملون بصير ﴾ أي لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد ﴿ أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب ﴾ أي أيحب أحدكم أن تكون له حديقة غناء فيها من أنواع النخيل والأعناب والثمار الشيء الكثير ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ أي تمر الأنهار من تحت أشجارها ﴿ له فيها من كل الثمرات ﴾ أي ينبت له فيها جميع الثمار ومن كل زوج بهيج ﴿ وأصابه الكبر وله ذرية ضعفآء ﴾ أي أصابته الشيخوخة فضعف عن الكسب وله أولاد صغار لا يقدرون على الكسب ﴿ فأصابهآ إعصار فيه نار فاحترقت ﴾ أي أصاب تلك الحديقة ريح عاصفة شديدة معها نار فأحرقت الثمار والأشجار أحوج ما يكون الإنسان إليها ﴿ كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ﴾ أي مثل هذا البيان الواضح في هذا المثل الرائع المحكم يبين الله لكم آياته في كتابه الحكيم لكي تتفكروا وتتدبروا بما فيها من العبر والعظات ﴿ يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ﴾ أي أنفقوا من الحلال الطيب من المال الذي كسبتموه ﴿ وممآ أخرجنا لكم من الأرض ﴾ أي ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الحبوب والثمار ﴿ ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ﴾ أي ولا تقصدوا الرديء الخسيس فتتصدقوا منه ﴿ ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ﴾ أي لستم تقبلونه لو أعطيتموه إلا إذا تساهلتم وأغمضتم البصر فكيف تؤدون منه حق الله!! ﴿ واعلموا أن الله غني حميد ﴾ أي أنه سبحانه غني عن نفقاتكم حميد يجازي المحسن أفضل الجزاء.

. ثم حذر تعالى من وسوسة الشيطان فقال ﴿ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء ﴾ أي الشيطان يخوفكم من الفقر إن تصدقتم ويغريكم بالبخل ومنع الزكاة ﴿ والله يعدكم مغفرة منه وفضلا ﴾ أي وهو سبحانه يعدكم على إنفاقكم في سبيله مغفرة للذنوب وخلفا لما أنفقتموه زائدا عن الأصل ﴿ والله واسع عليم ﴾ أي واسع الفضل والعطاء عليم بمن يستحق الثناء ﴿ يؤتي الحكمة من يشآء ﴾ أي يعطي العلم النافع المؤدي إلى العمل الصالح من شاء من عباده ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ﴾ أي من أعطي الحكمة فقد أعطي الخير الكثير لمصير صاحبها إلى السعادة الأبدية ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ أي ما يتعظ بأمثال القرآن وحكمه إلا أصحاب العقول النيرة الخالصة من الهوى.

صفوة التفاسير · الصفحة ٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٩٥