البلاغة: أولا: إنما قيد البعث بعد الموت ﴿ ثم بعثناكم من بعد موتكم ﴾ لزيادة التأكيد على أنه موت حقيقي، ولدفع ما عساه يتوهم أن بعثهم كان بعد إغماء أو بعد نوم.
ثانيا: في الآية إيجاز بالحذف في قوله ﴿ كلوا ﴾ أي قلنا لهم كلوا وفي قوله ﴿ وما ظلمونا ﴾ تقديره فظلموا أنفسهم بأن كفروا وما ظلمونا بذلك دل على هذا الحذف قوله ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ والجمع بين صيغتي الماضي والمضارع ﴿ ظلمونا ﴾ و ﴿ يظلمون ﴾ للدلالة على تماديهم في الظلم واستمرارهم على الكفر.
ثالثا: وضع الظاهر مكان الضمير في قوله ﴿ فأنزلنا على الذين ظلموا ﴾ ولم يقل " فأنزلنا عليهم " لزيادة التقبيح والمبالغة في الذم والتقريع، وتنكير ﴿ رجزا ﴾ للتهويل والتفخيم.
تنبيه: قال الراغب: تخصيص قوله ﴿ رجزا من السمآء ﴾ هو أن العذاب ضربان: ضرب قد يمكن دفاعه وهو كل عذاب جاء على يد آدمي، أو من جهة المخلوقات كالهدم والغرق، وضرب لا يمكن دفاعه بقوة آدمي كالطاعون والصاعقة والموت وهو المراد بقوله ﴿ رجزا من السمآء ﴾.
2.60-62
المناسبة: لا تزال الآيات تعدد النعم على بني إسرائيل، وهذه إحدى النعم العظيمة عليهم حين كانوا في التيه، وعطشوا عطشا شديدا كادوا يهلكون معه، فدعا موسى ربه أن يغيثهم فأوحى الله إليه أن يضرب بعصاه الحجر، فتفجرت منه عيون بقدر قبائلهم، وكانوا اثنتي عشرة قبيلة فجرى لكل منهم جدول خاص، يأخذون منه حاجتهم لا يشاركهم فيه غيرهم، وكان موضوع السقيا آية باهرة ومعجزة ظاهرة لسيدنا موسى عليه السلام ومع ذلك كفروا وجحدوا.
اللغة: ﴿ استسقى ﴾ طلب السقيا لقومه لأن السين والتاء للطلب مثل: استنصر واستخبر قال أبو حيان: الاستسقاء: طلب الماء عند عدمه أو قلته، ومفعوله محذوف أي استسقى موسى ربه. ﴿ فانفجرت ﴾ الانفجار: الإنشقاق ومنه سمي الفجر لانشقاق ضوئه، وانفجر وانبجس بمعنى واحد قال تعالى
فانبجست منه
[الأعراف: 160]، ﴿ مشربهم ﴾ جهة وموضع الشرب ﴿ تعثوا ﴾ العيث: شدة الفساد، قال: عثي يعثى: وعثا يعثو إذا أفسد فهو عاث، قال الطبري: معناه تطغوا وأصله شدة الإفساد ﴿ فومها ﴾ الفوم: الثوم وقيل: الحنطة ﴿ أتستبدلون ﴾ الاستبدال: ترك شيء لآخر وأخذ غيره مكانه ﴿ أدنى ﴾ أخس وأحقر يقال رجل دنيء إذا كان يتتبع الخسائس ﴿ الذلة ﴾ الذل والهوان والحقارة ﴿ والمسكنة ﴾ الفاقة والخشوع مأخوذة من السكون لأن المسكين قليل الحركة لما به من الفقر ﴿ بآءو ﴾ رجعوا وانصرفوا قال الرازي: ولا يقال باء إلا بشر ﴿ يعتدون ﴾ الإعتداء: تجاوز الحد في كل شيء واشتهر في الظلم والمعاصي.
التفسير: ﴿ وإذ استسقى موسى لقومه ﴾ أي اذكروا يا بني إسرائيل حين طلب موسى السقيا لقومه وقد عطشوا في التيه ﴿ فقلنا اضرب بعصاك الحجر ﴾ أي اضرب أي حجر كان تتفجر بقدرتنا العيون منه ﴿ فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ﴾ أي فضرب فتدفق الماء منه بقوة وخرجت منه اثنتا عشرة عينا بقدر قبائلهم ﴿ قد علم كل أناس مشربهم ﴾ أي علمت كل قبيلة مكان شربها لئلا يتنازعوا ﴿ كلوا واشربوا من رزق الله ﴾ أي قلنا لهم: كلوا من المن والسلوى، واشربوا من هذا الماء، من غير كد منكم ولا تعب، بل هو من خالص إنعام الله ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ أي ولا تطغوا في الأرض بأنواع البغي والفساد. ﴿ وإذ قلتم ياموسى ﴾ أي اذكروا يا بني إسرائيل حين قلتم لنبيكم موسى وأنتم في الصحراء تأكلون من المن والسلوى ﴿ لن نصبر على طعام واحد ﴾ أي على نوع واحد من الطعام وهو المن والسلوى ﴿ فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض ﴾ أي ادع الله أن يرزقنا غير ذلك الطعام فقد سئمنا المن والسلوى وكرهناه ونريد ما تخرجه الأرض من الحبوب والبقول ﴿ من بقلها ﴾ من خضرتها كالنعناع والكرفس والكراث ﴿ وقثآئها ﴾ يعني القتة التي تشبه الخيار ﴿ وفومها ﴾ أي الثوم ﴿ وعدسها وبصلها ﴾ أي العدس والبصل المعروفان ﴿ قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ﴾ أي قال لهم موسى منكرا عليهم: ويحكم أتستبدلون الخسيس بالنفيس! وتفضلون البصل والبقل والثوم على المن والسلوى؟ ﴿ اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم ﴾ أي ادخلوا مصرا من الأمصار وبلدا من البلدان أيا كان لتجدوا فيه مثل هذه الأشياء.