تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

58 - سورة المجادلة

58.1-10

اللغة: ﴿ تحاوركمآ ﴾ المحاورة: المراجعة في الكلام من حار الشيء يحور إذا رجع يرجع ومنه الدعاء المأثور " نعوذ بالله من الحور بعد الكور " قال عنترة في فرسه:

لو كان يدري ما المحاورة اشتكى

ولكان لو علم الكلام مكلمي

﴿ يظاهرون ﴾ الظهار مشتق من الظهر يقال: ظاهر من امرأته إذا حرمها على نفسه بقوله: أنت علي كظهر أمي ﴿ منكرا ﴾ المنكر: كل ما قبحه الشرع وحرمه ونفر منه، وهو خلاف المعروف ﴿ يحآدون ﴾ المحادة: المعاداة والمخالفة في الحدود والأحكام وهي مثل المشاقة قال الزجاج: المحادة أن تكون في حد يخالف حد صاحبك، وأصلها الممانعة ﴿ كبتوا ﴾ الكبت: القهر والإذلال والخزي يقال: كبته أي قهره وأخزاه ﴿ نجوى ﴾ النجوى: الكلام بين اثنين فأكثر سرا، تناجى القوم تحدثوا فيما بينهم سرا ﴿ حسبهم ﴾ كافيهم.

سبب النزول: أ- روي

" أن " خولة بنت ثعلبة " امرأة " أوس بن الصامت " أراد زوجها مواقعتها يوما فأبت، فغضب وظاهر منها، فأتت رسول اله صلى الله عليه وسلم وقالت يا رسول الله: إن أوسا ظاهر مني بعد أن كبرت سني، ورق عظمي، وإن لي منه صبية صغارا، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا فما ترى!! فقال لها: ما أراك إلا قد حرمت عليه، فقالت يا رسول الله: والله ما ذكر طلاقا وهو أبو ولدي وأحب الناس إلي، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيد قوله: ما أراك إلا قد حرمت عليه، وهي تكرر قولها، فما زالت تراجعه ويراجعها حتى نزل قول الله تعالى ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله.. ﴾ "

الآيات.

ب - وروى البخاري

" عن عائشة أنها قالت: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة - خولة بنت ثعلبة - فكلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في جانب البيت أسمع كلامها ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي زوجها وتقول يا رسول الله: أبلى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك، فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآيات ".

التفسير: ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ﴾ " قد " لا تدخل إلا على الأفعال، وإذا دخلت على الماضي أفادت التحقيق، وإذا دخلت على المضارع أفادت التقليل كقولك: قد يجود البخيل، وقد ينزل المطر والمعنى: حقا لقد سمع الله قول المرأة التي تراجعك وتحاورك في شأن زوجها قال الزمخشري: ومعنى سماعه تعالى لقولها إجابة دعائها، لا مجرد علمه تعالى بذلك، وهو كقول المصلي: سمع الله لمن حمده ﴿ وتشتكي إلى الله ﴾ أي وتتضرع إلى الله في تفريج كربتها ﴿ والله يسمع تحاوركمآ ﴾ أي والله جل وعلا يسمع حديثكما ومراجعتكما الكلام، ماذا قالت لك، وماذا رددت عليها ﴿ إن الله سميع بصير ﴾ أي سميع بمن يناجيه ويتضرع إليه، بصير بأعمال العباد، وهو كالتعليل لما قبله، وكلاهما من صيغ المبالغة أي مبالغ في العلم بالمسموعات والمبصرات.

. ثم ذم تعالى الظهار وبين حكمه وجزاء فاعله فقال ﴿ الذين يظاهرون منكم من نسآئهم ما هن أمهاتهم ﴾ أي الذين يقولون لنسائهم: أنتن كظهور أمهاتنا يقصدون بذلك تحريمهن عليهم كتحريم أمهاتهن، لسن في الحقيقة أمهاتهم وإنما هن زوجاتهم قال الإمام الفخر: الظهار هو عبارة عن قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، يقصد علوي عليك حرام كعلوي على أمي، والعرب تقول في الطلاق: نزلت عن أمرأتي أي طلقتها، فغرضهم من هذه اللفظة تحريم معاشرتها تشبيها بالأم وقوله ﴿ منكم ﴾ توبيخ للعرب وتهجين لعادتهم في الظهار لأنه كان من أيمان أهل الجاهلية خاصة دون سائر الأمم ﴿ إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ﴾ أي ما أمهاتهم في الحقيقة إلا الوالدات اللاتي ولدنهم من بطونهن وفي المثل " ولدك من دمى عقبيك " وهو تأكيد لقوله ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ زيادة في التوضيح والبيان ﴿ وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ﴾ أي والحال إن هؤلاء المظاهرين ليقولون كلاما منكرا تنكره الحقيقة وينكره الشرع، وهو كذب وزور وبهتان ﴿ وإن الله لعفو غفور ﴾ أي مبالغ في العفو والمغفرة لمن تاب وأناب قال في التسهيل: أخبر تعالى أن الظهار منكر وزور، فالمنكر هو الذي لا تعرف له حقيقة، والزور هو الكذب، وإنما جعله كذبا لأن المظاهر يجعل امرأته كأمه. وهي لا تصير كذلك أبدا والظهار محرم ويدل على تحريمه أربعة أشياء: أحدها قوله ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ فإن ذلك تكذيب للمظاهر والثاني أنه سماه منكرا والثالث أنه سماه زورا والرابع قوله تعالى ﴿ وإن الله لعفو غفور ﴾ فإن العفو والمغفرة لا تقع إلا عن ذنب، والذنب مع ذلك لازم للمظاهر حتى يرفعه بالكفارة.. ثم بين تعالى طريق الكفارة عن هذا القول الشنيع فقال ﴿ والذين يظاهرون من نسآئهم ﴾ أي يظاهرون من زوجاتهم بتشبيههن بالأمهات ﴿ ثم يعودون لما قالوا ﴾ أي يعودون عما قالوا، ويندمون على ما فرط منهم، ويرغبون في إعادة أزواجهم إليهم ﴿ فتحرير رقبة من قبل أن يتمآسا ﴾ أي فعليهم إعتاق رقبة - عبدا كان أو أمة - من قبل أن يعاشر زوجته التي ظاهر منها أو يجامعها، والتماس كناية عن الجماع ودواعيه من التقبيل واللمس عند الجمهور قال الخازن: المراد من التماس المجامعة فلا يحل للمظاهر وطء امرأته التي ظاهر منها ما لم يكفر وقال القرطبي: لا يجوز للمظاهر الوطء قبل التكفير، فإن جامعها قبل التكفير أثم وعصى ولا يسقط عنه التكفير، وعن مجاهد تلزمه كفارتان ﴿ ذلكم توعظون به ﴾ أي ذلكم هو حكم الله فيمن ظاهر ليتعظ به المؤمنون، حتى تتركوا الظهار ولا تعودوا إليه ﴿ والله بما تعملون خبير ﴾ أي عالم بظواهر الأمور وبواطنها ومجازيكم بها، فحافظوا على حدود ما شرع لكم من الأحكام ﴿ فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتمآسا ﴾ أي فمن لم يجد الرقبة التي يعتقها فعليه صيام شهرين متواليين من قبل الجماع قال المفسرون: لو أفطر يوما منها انقطع التتابع ووجب عليه أن يستأنفها ﴿ فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ﴾ أي فمن لم يستطع الصيام لكبر أو مرض، فعليه أن يطعم ستين مسكينا ما يشبعهم ﴿ ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله ﴾ أي ذلك الذي بيناه من أحكام الظهار من أجل أن تصدقوا بالله ورسوله في العمل بشرائعه، ولا تستمروا على أحكام الجاهلية ﴿ وتلك حدود الله ﴾ أي وتلك هي أوامر الله وحدوده فلا تعتدوها ﴿ وللكافرين عذاب أليم ﴾ أي وللجاحدين والمكذبين بهذه الحدود عذاب مؤلم موجع قال الألوسي: أطلق الكافر على متعدي الحدود تغليظا وزجرا.

صفوة التفاسير · الصفحة ٧٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٧٠٩