2.183-187
المناسبة: ذكر تعالى في الآيات السابقة حكم القصاص ثم عقبه بحكم الوصية للوالدين والأقربين، ثم بأحكام الصيام على وجه التفصيل لأن هذا الجزء من السورة الكريمة يتناول جانب الأحكام التشريعية ولما كان الصوم من أهم الأركان ذكره الله تعالى هنا ليهيء عباده إلى منازل القدس ومعارج المتقين الأبرار.
اللغة: ﴿ الصيام ﴾ في اللغة: الإمساك عن الشيء قال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم قال الشاعر:
خيل صيام وخيل غير صائمة
تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
وفي الشرع: الإمساك عن الطعام والشراب والجماع في النهار مع النية ﴿ يطيقونه ﴾ أي يصومونه بعسر ومشقة قال الراغب: الطاقة اسم لمقدار ما يمكن للإنسان أن يفعله مع المشقة وشبه بالطوق المحيط بالشيء ﴿ فدية ﴾ ما يفدي به الإنسان نفسه من مال وغيره ﴿ شهر ﴾ من الاشتهار وهو الظهور ﴿ رمضان ﴾ من الرمض وهو شدة الحر والرمضاء شدة حر الشمس وسمي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها ﴿ الرفث ﴾ الجماع ودواعيه وأصله قول الفحش ثم كني به عن الجماع قال الشاعر:
ويرين من أنس الحديث زوانيا
وبهن عن رفث الرجال نفار
﴿ تختانون ﴾ قال في اللسان: خانه واختانه والمخانة مصدر من الخيانة وهي ضد الأمانة وسئل بعضهم عن السيف فقال: أخوك وإن خانك ﴿ عاكفون ﴾ الإعتكاف في اللغة: اللبث واللزوم وفي الشرع: المكث في المسجد للعبادة ﴿ حدود الله ﴾ الحد في اللغة: المنع وأصله الحاجز بين الشيئين المتقابلين وسميت الأحكام حدودا لأنها تحجز بين الحق والباطل.
سبب النزول: روي أن جماعة من الأعراب سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ﴾ الآية.
التفسير: ﴿ يأيها الذين آمنوا ﴾ ناداهم بلفظ الإيمان ليحرك فيهم مشاعر الطاعة ويذكي فيهم جذوة الإيمان ﴿ كتب عليكم الصيام ﴾ أي فرض عليكم صيام شهر رمضان ﴿ كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ أي كما فرض على الأمم قبلكم ﴿ لعلكم تتقون ﴾ أي لتكونوا من المتقين لله المجتنبين لمحارمه ﴿ أياما معدودات ﴾ أي والصيام أيامه معدودات وهي أيام قلائل، فلم يفرض عليكم الدهر كله تخفيفا ورحمة بكم ﴿ فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ﴾ أي من كان به مرض أو كان مسافرا فأفطر فعليه قضاء عدة ما أفطر من أيام غيرها ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ﴾ أي وعلى الذين يستطيعون صيامه مع المشقة لشيخوخة أو ضعف إذا أفطروا عليهم فدية بقدر طعام مسكين لكل يوم ﴿ فمن تطوع خيرا ﴾ أي فمن زاد على القدر المذكور في الفدية ﴿ فهو خير له ﴾ ثم قال تعالى ﴿ وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾ أي والصوم خير لكم من الفطر والفدية إن كنتم تعلمون ما في الصوم من أجر وفضيلة، ثم بين تعالى وقت الصيام فقال ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ﴾ أي والأيام المعدودات التي فرضتها عليكم أيها المؤمنون هي شهر رمضان الذي أبتدأ فيه نزول القرآن حال كونه هداية للناس لما فيه من إرشاد وإعجاز وآيات واضحات تفرق بين الحق والباطل ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ أي من حضر منكم الشهر فليصمه ﴿ ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ﴾ أي ومن كان مريضا أو مسافرا فأفطر فعليه صيام أيام أخر، وكرر لئلا يتوهم نسخه بعموم لفظ شهود الشهر ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾ أي يريد الله بهذا الترخيص التيسير عليكم لا التعسير ﴿ ولتكملوا العدة ﴾ أي ولتكملوا عدة شهر رمضان بقضاء ما أفطرتم ﴿ ولتكبروا الله على ما هداكم ﴾ أي ولتحمدوا الله على ما أرشدكم إليه من معالم الدين ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ أي ولكي تشكروا الله على فضله وإحسانه.