تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4- الأسلوب الرفيع بنسبة الخير إلى الله، دون الشر أدبا مع الخالق ﴿ وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ﴾؟ وبين لفظ " الشر " و " الرشد " طباق في المعنى.

5- الطباق بين ﴿ الإنس.. والجن ﴾ وبين ﴿ ضرا.. ورشدا ﴾ وبين ﴿ المسلمون والقاسطون ﴾.

6- الاستعارة اللطيفة ﴿ كنا طرآئق قددا ﴾ استعارة الطرائق للمذاهب المختلفة، وهو من لطيف الاستعارة.

7- توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات مثل ﴿ أحدا ﴾ ، ﴿ ولدا ﴾ ، ﴿ رصدا ﴾ ، ﴿ رشدا ﴾ ، ﴿ صعدا ﴾ ، ﴿ عددا ﴾ الخ وهو ما يسمى في علم البديع بالسجع المرصع والله أعلم.

73 - سورة المزمل

73.1-20

اللغة: ﴿ المزمل ﴾ المتلفف بثيابه يقال: تزمل بثوبه أي التف به وتغطى، وزمل غيره إذا غطاه قال امرؤ القيس: كبير أناس في بجاد مزمل ﴿ سبحا ﴾ تصرفا وتقلبا في مهماتك، وأصل السبح العوم على وجه الماء، واستعير للتصرف والتقلب في شئون الحياة ﴿ أنكالا ﴾ جمع نكل وهو القيد الثقيل الذي يقيد به المجرم ﴿ كثيبا ﴾ الكثيب: الرمل المجتمع ﴿ مهيلا ﴾ سائلا متناثرا منهارا قال أهل اللغة: المهيل الذي إذا وطأته بالقدم زل من تحتها، وإذا أخذت أسفله انهال، وأصله مهيول كمكيل أصله مكيول ﴿ وبيلا ﴾ عظيما شديدا وخيم العاقبة.

التفسير: ﴿ يأيها المزمل ﴾ أي يا أيها المتلفف بثيابه، وأصله المتزمل وهو الذي تلفف وتغطى، وخطابه صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف ﴿ يأيها المزمل ﴾ فيه تأنيس وملاطفة له عليه السلام قال السهيلي؛ إن العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك معاتبته سموه باسم مشتق من حالته التي هو عليها كقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي - حين غاضب فاطمة وقد نام ولصق بجنبه التراب - قم أبا تراب، إشعارا بأنه ملاطف له، وغير عاتب عليه، والفائدة الثانية، التنبيه لكل متزمل راقد ليله، ليتنبه إلى قيام الليل وذكر الله تعالى، لأنه الاسم المشتق من الفعل، يشترك فيه المخاطب، وكل من اتصف بتلك الصفة، وسبب هذا التزمل ما روي في الصحيح

" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاءه جبريل وهو في غار حراء - في ابتداء الوحي - رجع إلى خديجة يرجف فؤاده فقال: زملوني زملوني، لقد خشيت على نفسي، وأخبرها بما جرى، فنزلت ﴿ يأيها المزمل ﴾ "

أي يا أيها الذي تلفف بقطيفته، واضطجع في زاوية بيته، وقد أشبه من يؤثر الراحة والسكون، ويحاول التخلص مما كلف به من مهمات الأمور ﴿ قم اليل إلا قليلا ﴾ أي دع التزمل والتلفف، وانشط لصلاة الليل، والقيام فيه ساعات في عبادة ربك، لتستعد للأمر الجليل، والمهمة الشاقة، ألا وهي تبليغ دعوة ربك للناس، وتبصيرهم بالدين الجديد.. ثم وضح المقدار الذي ينبغي أن يصرفه في عبادة الله فقال ﴿ نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه ﴾ أي قم للصلاة والعبادة نصف الليل، أو أقل من النصف قليلا، أو أكثر من النصف، والمراد أن تكون هذه الساعات طويلة بحيث لا تقل عن ثلث الليل، ولا تزيد على الثلثين قال ابن عباس: إن قيام الليل كان فريضة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله ﴿ قم اليل ﴾ ثم نسخ بقوله تعالى ﴿ فاقرءوا ما تيسر منه ﴾ وكان بين أول هذا الوجوب ونسخه سنة، وهذه هي السورة التي نسخ آخرها أولها، حيث رحم الله المؤمنين فأنزل التخفيف عليهم بقوله { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطآئفة من الذين معك.

.. } الآية ﴿ ورتل القرآن ترتيلا ﴾ أي اقرأ القرآن أثناء قيامك في الليل قراءة تثبت وتؤدة وتمهل، ليكون عونا لك على فهم القرآن وتدبره، قال الخازن: لما أمره تعالى بقيام الليل أتبعه بترتيل القرآن، حتى يتمكن المصلي من حضور القلب، والتفكر والتأمل في حقائق الآيات ومعانيها، فعند الوصول إلى ذكر الله يستشعر بقلبه عظمة الله وجلاله، وعند ذكر الوعد والوعيد يحصل له الرجاء والخوف، وعند ذكر القصص والأمثال يحصل له الاعتبار، فيستنير القلب بنور معرفة الله، والإسراع في القراءة يدل على عدم الوقوف على المعاني، فظهر بذلك أن المقصود من الترتيل، إنما هو حضور القلب عند القراءة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع القراءة حرفا حرفا - أي يقرأ القرآن بتمهل، ويخرج الحروف واضحة - لا يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وتعوذ.. ثم بعد أن أمره تعالى باطراح النوم، وقيام الليل، وتدبر القرآن وتفهمه، انتقل إلى بيان السبب في هذه الأوامر الثلاثة، ذات التكليف الصعب الشاق فقال ﴿ إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ﴾ أي سننزل عليك يا محمد كلاما عظيما جليلا، له هيبة وروعة وجلال، لأنه كلام الملك العلام قال الإمام الفخر: والمراد من كونه ثقيلا هو عظم قدره، وجلالة خطره، وكل شيء نفس وعظم خطره فهو ثقيل، وهذا معنى قول ابن عباس: ﴿ قولا ثقيلا ﴾ يعني كلاما عظيما، وقيل المراد ما في القرآن من الأوامر والنواهي، التي هي تكاليف شاقة ثقيلة على المكلفين، ووجه النظم عندي أنه لما أمره بصلاة الليل فكأنه قال: إنما أمرتك بصلاة الليل، لأنا سنلقي عليك قولا عظيما، ولا بد وأن تصير نفسك مستعدة لذلك القول العظيم، وذلك بصلاة الليل، فإن الإنسان إذا اشتغل بعبادة الله في الليلة الظلماء، وأقبل على ذكره والتضرع بين يديه، استعدت نفسه لإشراق وجلال الله فيها أقول: وهذا المعنى لطيف في الربط بين قيام الليل، وتلاوة القرآن، فإن الله تعالى كلف رسوله أن يدعو الناس إلى دين جديد، فيه تكاليف شاقة على النفس، وأن يكلفهم العمل بشرائعه وأحكامه، ولا شك أن مثل هذا التكليف، يحتاج إلى مجاهدة للنفس ومصابرة، لما فيه من حملهم على ترك ما ألفوه من العقائد، ونبذ ما ورثوه من أسلافهم من العادات، فأنت يا محمد معرض لمتاعب كثيرة، وأخطار جمة في سبيل هذه الدعوة، وحمل الناس على قبولها، فكيف يمكنك أن تقوم بهذه المهمة الكبيرة، وأنت على ما أنت عليه من التزمل والتلفف، والخلود إلى الراحة والسكون، والبعد عن المشاق، ومجاهدة النفس بطول العبادة وكثرة التهجد، ودراسة آيات القرآن دراسة تفهم وتدبر؟ فانشط من مضجعك إذا، واسهر معظم ليلك في مناجاة ربك، استعدادا لتحمل مشاق الدعوة، والتبشير بهذا الدين الجديد، ويا لها من لفتة كريمة، تيقظ لها قلب النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، فشمر عن ساعد الجد والعمل، وقام بين يدي ربه حتى تشققت قدماه.

صفوة التفاسير · الصفحة ٧٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٧٧٠