13 - سورة الرعد
13.1-16
اللغة: ﴿ عمد ﴾ العمد: الدعائم وهو اسم جمع وقيل: جمع عمود ﴿ صنوان ﴾ جمع صنو وهو الغصن الخارج عن أصل الشجرة وأصله المثل ومنه قيل للعم صنو لمماثلته للأب، فإذا كان للشجرة عدة فروع فهي صنوان ﴿ الأغلال ﴾ جمع غل وهو طوق تشد به اليد إلى العنق ﴿ المثلات ﴾ جمع مثلة وهي العقوبة وسميت بذلك لما بين العقاب والمعاقب من المماثلة ﴿ تغيض ﴾ غاض الماء نقص أو غار ﴿ وسارب ﴾ السارب: الذاهب في سربه أي طريقه بوضح النهار لا يستخفي عن الأنظار ﴿ معقبات ﴾ ملائكة يعقب بعضهم بعضا أي يأتي بعضهم عقب بعض ﴿ المحال ﴾ القوة والإهلاك والنقمة.
سبب النزول: عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا إلى جبار من فراعنة العرب فقال: اذهب فادعه لي فقال يا رسول الله: إنه جبار عات قال: اذهب فادعه لي، فذهب إليه فقال: يدعوك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرني عن إله محمد أمن ذهب هو؟ أو من فضة؟ أو من نحاس؟ فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما قال الرجل وقال له: ألم أخبرك أنه أعتى من ذلك؟ فقال: ارجع إليه الثانية فادعه لي، فرجع إليه فأعاد عليه ذلك الكلام، فبينا هو يجادله إذ بعث الله عليه سحابة حيال رأسه فرعدت فوقعت منها صاعقة فذهبت بقحف رأسه فأنزل الله ﴿ ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشآء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال ﴾.
التفسير: ﴿ المر ﴾ إشارة إلى إعجاز القرآن وقال ابن عباس معناه: أنا الله أعلم وأرى ﴿ تلك آيات الكتاب ﴾ أي هذه آيات القرآن المعجز، الذي فاق كل كتاب ﴿ والذي أنزل إليك من ربك الحق ﴾ أي والذي أوحي إليك يا محمد في هذا القرآن هو الحق الذي لا يلتبس بالباطل، ولا يحتمل الشك والتردد ﴿ ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ﴾ أي ومع وضوحه وجلائه كذب به أكثر الناس ﴿ الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ﴾ أي خلقها مرتفعة البناء، قائمة بقدرته لا تستند على شيء حال كونكم تشاهدونها وتنظرونها بغير دعائم، وذلك دليل وجود الخالق المبدع الحكيم ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ أي علا فوق العرش علوا يليق بجلاله من غير تجسيم ولا تكييف ولا تعطيل ﴿ وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ﴾ أي ذلل الشمس والقمر لمصالح العباد، كل يسير بقدرته تعالى إلى زمن معين هو زمن فناء الدنيا ﴿ يدبر الأمر ﴾ أي يصرف بحكمته وقدرته أمور الخلق وشئون الملكوت من إيجاد وإعدام، وإحياء وإماتة وغير ذلك ﴿ يفصل الآيات ﴾ أي يبينها ويوضحها ﴿ لعلكم بلقآء ربكم توقنون ﴾ أي لتصدقوا بلقاء الله، وتوقنوا بالمعاد إليه، لأن من قدر على ذلك كله فهو قادر على إحياء الإنسان بعد موته ﴿ وهو الذي مد الأرض ﴾ أي هو تعالى بقدرته بسط الأرض وجعلها ممدودة فسيحة، وهذا لا ينافي كرويتها فإن ذلك مقطوع به، والغرض أنه تعالى جعلها واسعة فسيحة ممتدة الآفاق ليستقر عليها الإنسان والحيوان، ولو كانت كلها جبالا ووديانا لما أمكن العيش عليها قال في التسهيل: ولا يتنافى لفظ البسط والمد مع التكوير، لأن كل قطعة من الأرض ممدودة على حدتها، وإنما التكوير لجملة الأرض ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ أي وخلق في الأرض جبالا ثوابت رواسخ لئلا تضطرب بأهلها كقوله
أن تميد بكم
[النحل: 15] ﴿ وأنهارا ﴾ أي وجعل فيها الأنهار الجاريات ﴿ ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ﴾ أي جعل فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين اثنين ذكرا وأنثى ليتم بينهما أسباب الإخصاب والتكاثر طبق سنته الحكيمة وقال أبو السعود: أي جعل من كل نوع من أنواع الثمرات الموجودة في الدنيا ضربين وصنفين، إما في اللون كالأبيض والأسود، أو في الطعم كالحلو والحامض، أو في القدر كالصغير والكبير، أو في الكيفية كالحار والبارد وما أشبه ذلك ﴿ يغشي اليل النهار ﴾ أي يلبسه إياه فيصير الجو مظلما بعد ما كان مضيئا ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ أي إن في عجائب صنع الله لدلالات وعلامات باهرة على قدرته ووحدانيته لمن تأمل وتفكر، وخص " المتفكرون " بالذكر لأن ما احتوت عليه هذه الآيات من الصنيع العجيب لا يدرك إلا بالتفكر ﴿ وفي الأرض قطع متجاورات ﴾ أي في الأرض بقاع مختلفة متلاصقات قريب بعضها من بعض قال ابن عباس: أرض طيبة، وأرض سبخة تنبت هذه، وهذه إلى جنبها لا تنبت ﴿ وجنات من أعناب ﴾ أي بساتين كثيرة من أشجار العنب ﴿ وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان ﴾ أي وفي هذه القطع المتجاورة أنواع الزروع والحبوب والنخيل والرطب، منها ما ينبت منه من أصل واحد شجرتان فأكثر، ومنها ما ينبت منه شجرة واحدة ﴿ يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل ﴾ أي الكل يسقى بماء واحد، والتربة واحدة، ولكن الثمار مختلفات الطعوم قال الطبري: الأرض الواحدة يكون فيها الخوخ، والكمثرى، والعنب الأبيض والاسود، بعضها حلو، وبعضها حامض، وبعضها أفضل من بعض مع اجتماع جميعها على شرب واحد ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ﴾ أي علامات باهرة ظاهرة لمن عقل وتدبر، وفي ذلك رد على القائلين بالطبيعة ﴿ وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد ﴾ أي إن تعجب يا محمد من شيء فليس ما هو أعجب من قول الكفار أئذا متنا وأصبحنا رفاتا هل سنبعث من جديد؟ فإن إنكارهم للبعث حقيق أن يتعجب منه، فإن الذي قدر على إنشاء ما ذكرنا من السماوات والأرض، والأشجار والثمار، والبحار والأنهار قادر على إعادتهم بعد موتهم ﴿ أولئك الذين كفروا بربهم ﴾ أي هؤلاء الذين أنكروا البعث هم الجاحدون لقدرة الله ﴿ وأولئك الأغلال في أعناقهم ﴾ أي يغلون بالسلاسل في أعناقهم يوم القيامة ﴿ وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ أي وهم في جهنم مخلدون فيها أبدا لا يموتون فيها ولا يخرجون ﴿ ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة ﴾ أي يستعجلك المشركون يا محمد بالبلاء والعقوبة قبل الرخاء والعافية، استعجلوا ما هددوا به من عذاب الدنيا استهزاء ﴿ وقد خلت من قبلهم المثلات ﴾ أي وقد مضت عقوبات أمثالهم من المكذبين، فما لهم لا يعتبرون ولا يتعظون؟ ﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ﴾ أي وإن ربك لذو صفح عظيم للناس، لا يعجل لهم العقوبة وإن كانوا ظالمين بل يمهلهم بتأخيرها ﴿ وإن ربك لشديد العقاب ﴾ أي شديد العقاب لمن أصر على المعاصي ولم يتب ومن ذنوبه.