74 - سورة المدثر
74.1-56
اللغة: ﴿ المدثر ﴾ المتغطي بثيابه، تدثر: لبس الدثار وهو الثوب الذي فوق الشعار، والشعار الثوب الذي يلي الجسد، ومنه حديث
" الأنصار شعار، والناس دثار "
﴿ الناقور ﴾ الصور الذي ينفخ فيه، والنقر في كلام العرب الصوت، سمي ناقورا لأنه يخرج منه صوت عظيم رهيب، يفزع الناس منه ويموتون ﴿ عبس ﴾ قطب بين عينيه ﴿ بسر ﴾ كلح وجهه وتغير لونه قال الليث: عبس إذا قطب ما بين عينيه، فإن أبدى عن أسنانه في عبوسه قيل كلح، فإن اهتم في الأمر وفكر فيه قيل: بسر، فإن غضب مع ذلك قيل: بسل ﴿ أسفر ﴾ أضاء وانكشف ﴿ الكبر ﴾ الدواهي وعظائم المصائب والعقوبات قال الراجز:
يا ابن المعلى نزلت إحدى الكبر
داهية الدهر وصماء الغير
﴿ قسورة ﴾ أسد، من القسر وهو القهر، سمي بذلك لأنه يقهر السباع، وقيل هو جماعة الرماة الذين يتصيدون قال الأزهري: هو اسم جمع للرماة لا واحد له من جنسه قال لبيد:
إذا ما هتفنا هتفة في ندينا
أتانا الرجال الصائدون القساور
سبب النزول: روي أنه لما نزل قوله تعالى ﴿ عليها تسعة عشر ﴾ قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم إن ابن أبي كبشة - يعني محمدا صلى الله عليه وسلم - يتوعدنا ويخوفنا بجهنم، ويخبر أن خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الجمع العظيم، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم!! فقال " أبو الأسد الجمحي ": أنا أكفيكم منهم سبعة عشر، واكفوني أنتم اثنين، فأنزل الله تعالى ﴿ وما جعلنآ أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا... ﴾ الآية.
التفسير: ﴿ يأيها المدثر * قم فأنذر ﴾ أي يا أيها المتغطي بقطيفته يريد النوم والراحة، قم من مضجعك قيام عزم وتصميم، وحذر الناس من عذاب الله إن لم يؤمنوا، خوطب صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ " المدثر " مؤانسة له صلى الله عليه وسلم وتلطفا، كما خوطب بلفظ ﴿ المزمل ﴾ في السورة السابقة قال المفسرون:
" كان صلى الله عليه وسلم يتعبد في غار حراء فجاءه جبريل بالآيات الكريمة ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق.. ﴾ الآيات وهي أول ما نزل عليه من القرآن، فرجع يرجف فؤاده فقال لخديجة: زملوني، زملوني فنزلت ﴿ يأيها المزمل * قم اليل إلا قليلا ﴾ "
الآيات ثم فتر الوحي فحزن صلى الله عليه وسلم فبينا هو يمشي سمع صوتا من السماء، فرفع رأسه فإذا الملك الذي جاءه بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فعراه صلى الله عليه وسلم من رؤيته الرعب والفزع، فجاء إلى أهله فقال: دثروني، دثروني فأنزل الله ﴿ يأيها المدثر * قم فأنذر ﴾ قال القرطبي: وفي هذا النداء ملاطفة في الخطاب، من الكريم إلى الحبيب، إذ ناداه بوصفه ولم يقل " يا محمد " ليستشعر اللين والملاطفة من ربه، ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم لحذيفة بن اليمان يوم الخندق: " قم يا نومان " ﴿ وربك فكبر ﴾ أي عظم ربك، وخصه بالتمجيد والتقديس، وأفرده بالعظمة والكبرياء، فليس هناك من هو أكبر من الله قال الألوسي: أي اخصص ربك بالتكبير، وهو وصفه تعالى بالكبرياء والعظمة، اعتقادا وقولا، وإنما ذكرت هذه الجملة بعد الأمر بالإنذار، تنبيها للنبي صلى الله عليه وسلم على عدم الاكتراث بالكفار، فإن نواصي الخلائق بيد الجبار، فلا ينبغي أن يبالي الرسول بأحد من الخلق، ولا أن يرهب سوى الله، فإن كل كبير مقهور تحت عظمته تعالى وكبريائه ﴿ وثيابك فطهر ﴾ أي وثيابك فطهرها من النجاسات والمستقذرات، فإن المؤمن طيب طاهر، لا يليق منه أن يحمل الخبيث، قال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهرون، فأمره الله أن يتطهر وأن يطهر ثيابه وقال ابن عباس: كنى بالثياب عن القلب والمعنى وقلبك فطهر من الإثم والمعاصي واستشهد بقول غيلان
وإني بحمد الله لا ثوب فاجر
لبست ولا من غدرة أتقنع