تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

البلاغة: 1- تقديم المفعول في الموضعين ﴿ فريقا كذبتم ﴾ و ﴿ فريقا تقتلون ﴾ للإهتمام وتشويق السامع إلى ما يلقى إليه.

2- التعبير بالمضارع ﴿ وفريقا تقتلون ﴾ ولم يقل قتلتم كما قال كذبتم، لأن الفعل المضارع - كما هو المألوف في أساليب البلاغة - يستعمل في الأفعال الماضية التي بلغت من الفظاعة مبلغا عظيما، فكأنه أحضر صورة قتل الأنبياء أمام السامع، وجعله ينظر إليها بعينه، فيكون إنكاره لها أبلغ، واستفظاعه لها أعظم.

3- وضع الظاهر مكان الضمير ﴿ فلعنة الله على الكافرين ﴾ ولم يقل " عليهم " ليشعر بأن سبب حلول اللعنة هو كفرهم.

4- الخبر في قوله ﴿ ولقد جآءكم موسى بالبينات ﴾ يراد به التبكيت والتوبيخ على عدم اتباع الرسول.

5- أسندت الإهانة إلى العذاب فقال ﴿ عذاب مهين ﴾ لأن الإهانة تحصل بعذابهم، ومن أساليب البيان إسناد الأفعال إلى أسبابها.

فائدة: قال الحسن البصري: إنما سمي جبريل " روح القدس " لأن القدس هو الله، وروحه جبريل، فالإضافة للتشريف، قال الرازي: ومما يدل على أن روح القدس جبريل قوله تعالى في سورة النحل

قل نزله روح القدس من ربك بالحق

[الآية: 102].

2.93-98

المناسبة: هذه طائفة أخرى من جرائم اليهود، فقد نقضوا الميثاق حتى رفع جبل الطور عليهم وأمروا أن يأخذوا بما في التوراة، فأظهروا القبول والطاعة ثم عادوا إلى الكفر والعصيان، فعبدوا العجل من دون الله، وزعموا أنهم أحباب الله، وأن الجنة خالصة لهم من دون الناس لا يدخلها أحد سواهم، وعادوا الملائكة الأطهار وعلى رأسهم جبريل عليه السلام، وكفروا بالأنبياء والرسل، وهكذا شأنهم في سائر العصور والدهور.

اللغة: ﴿ ميثاقكم ﴾ الميثاق: العهد المؤكد بيمين ﴿ الطور ﴾ هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام ﴿ بقوة ﴾ بعزم وجد ﴿ أشربوا ﴾ أشرب: سقي أي جعلت قلوبهم تشربه، يقال: أشرب قلبه حب كذا قال زهير:

فصحوت عنها بعد حب داخل

والحب تشربه فؤادك داء

﴿ خالصة ﴾ مصدر كالعافية والعاقبة بمعنى الخلوص أي خاصة بكم لا يشارككم فيها أحد ﴿ أحرص ﴾ الحرص: شدة الرغبة في الشيء وفي الحديث

" إحرص على ما ينفعك "

﴿ بمزحزحه ﴾ الزحزحة: الإبعاد والتنحية قال تعالى

فمن زحزح عن النار

[آل عمران: 185] أي أبعد وقال الشاعر:

خليلي ما بال الدجى لا يزحزح

وما بال ضوء الصبح لا يتوضح

التفسير: ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ﴾ أي اذكروا يا بني إسرائيل حين أخذنا عليكم العهد المؤكد على العمل بما في التوراة، ورفعنا فوقكم جبل الطور قائلين ﴿ خذوا مآ ءاتينكم بقوة ﴾ أي بعزم وحزم وإلا طرحنا الجبل فوقكم ﴿ واسمعوا ﴾ أي سماع طاعة وقبول ﴿ قالوا سمعنا وعصينا ﴾ أي سمعنا قولك، وعصينا أمرك ﴿ وأشربوا في قلوبهم العجل ﴾ أي خالط حبه قلوبهم، وتغلغل في سويدائها والمراد أن حب عبادة العجل امتزج بدمائهم ودخل في قلوبهم، كما يدخل الصبغ في الثوب، والماء في البدن ﴿ بكفرهم ﴾ أي بسبب كفرهم ﴿ قل بئسما يأمركم به إيمانكم ﴾ أي قل لهم على سبيل التهكم بهم بئس هذا الإيمان الذي يأمركم بعبادة العجل ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ أي إن كنتم تزعمون الإيمان فبئس هذا العمل والصنيع والمعنى: لستم بمؤمنين لأن الإيمان لا يأمر بعبادة العجل ﴿ قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس ﴾ أي قل لهم يا محمد إن كانت الجنة لكم خاصة لا يشارككم في نعيمها أحد كما زعمتم ﴿ فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ﴾ أي اشتاقوا الموت الذي يوصلكم إلى الجنة، لأن نعيم هذه الحياة لا يساوي شيئا إذا قيس بنعيم الآخرة. ومن أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها قال تعالى رادا عليهم تلك الدعوى الكاذبة ﴿ ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم ﴾ أي لن يتمنوا الموت ما عاشوا بسبب ما اجترحوه من الذنوب والآثام ﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ أي عالم بظلمهم وإجرامهم وسيجازيهم على ذلك ﴿ ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا ﴾ أي ولتجدن اليهود أشد الناس حرصا على الحياة، وأحرص من المشركين أنفسهم، وذلك لعلمهم بأنهم صائرون إلى النار لإجرامهم ﴿ يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ﴾ أي يتمنى الواحد منهم أن يعيش ألف سنة ﴿ وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر ﴾ أي وما طول العمر - مهما عمر - بمبعده ومنجيه من عذاب الله ﴿ والله بصير بما يعملون ﴾ أي مطلع على أعمالهم فيجازيهم عليها ﴿ قل من كان عدوا لجبريل ﴾ أي قل لهم يا محمد من كان عدوا لجبريل فإنه عدو لله، لأن الله جعله واسطة بينه وبين رسله فمن عاداه فقد عادى الله ﴿ فإنه نزله على قلبك بإذن الله ﴾ أي فإن جبريل الأمين نزل هذا القرآن على قلبك يا محمد بأمر الله تعالى ﴿ مصدقا لما بين يديه ﴾ أي مصدقا لما سبقه من الكتب السماوية ﴿ وهدى وبشرى للمؤمنين ﴾ أي وفيه الهداية الكاملة، والبشارة السارة للمؤمنين بجنات النعيم ﴿ من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ﴾ أي من عادى الله وملائكته ورسله، وعادى على الوجه الأخص " جبريل وميكائيل " فهو كافر عدو لله ﴿ فإن الله عدو للكافرين ﴾ لأن الله يبغض من عادى أحدا من أوليائه، ومن عاداهم عاداه الله، ففيه الوعيد والتهديد الشديد.

صفوة التفاسير · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٣٥