تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8- السجع المرصع كأنه الدر والياقوت مثل ﴿ قد جعل الله لكل شيء قدرا.. يجعل له من أمره يسرا.. ويعظم له أجرا.. وكان عاقبة أمرها خسرا ﴾ الخ وهو من المحسنات البديعية.

66 - سورة التحريم

66.1-12

اللغة: ﴿ تحلة ﴾ تحليل اليمين بالكفارة ﴿ صغت ﴾ مالت عن الحق وزاغت، وأصغى الإناء أماله ﴿ قانتات ﴾ مطيعات من القنوت وهو ملازمة الطاعة مع الخضوع ﴿ نصوحا ﴾ خالصة صادقة، والتوبة النصوح هي التي لا عودة بعدها إلى الذنب، سميت نصوحا لما فيها من الصدق والإخلاص يقال: هذا عسل ناصح إذا خلص من الشمع ﴿ اغلظ ﴾ من الغلظة وهي الشدة ﴿ أحصنت ﴾ عفت وصانت نفسها عن مقارفة الفاحشة.

سبب النزول: أ- روي

" أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين نسائه، فلما كان يوم حفصة استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة أبويها فأذن لها، فلما خرجت أرسل إلى جاريته " مارية القبطية " فعاشرها في بيت حفصة، فرجعت فوجدتها في بيتها، فغارت غيرة شديدة، وقالت: أدخلتها بيتي في غيابي وعاشرتها على فراشي؟! ما أراك فعلت هذا إلا لهواني عليك! فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم مسترضيا لها: إني حرمتها علي ولا تخبري بذلك أحدا، فلما خرج من عندها قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة - وكانتا متصافيتين - وأخبرتها بسر النبي صلى الله عليه وسلم فغضب رسول الله وحلف ألا يدخل على نسائه شهرا واعتزلهن "

فأنزل الله ﴿ يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك.. ﴾ الآية.

ب - وروي

" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخل على زوجه " زينب " رضي الله عنها فيشرب عندها عسلا، فاتفقت عائشة وحفصة على أن تقول له كل واحدة إذا دنا منها: أكلت مغافير - وهو طعام حلو كريه الريح - فلما مر على حفصة قالت له ذلك، ثم دخل على عائشة فقالت له مثل ذلك - وكان صلى الله عليه وسلم يكره أن توجد منه رائحة كريهة - فقال عليه السلام: لا ولكني شربت عسلا عند زينب ولن أعود له وحلف "

فنزلت ﴿ يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك.. ﴾ الآيات.

التفسير: ﴿ يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك ﴾ الخطاب بلفظ النبوة مشعر بالتوقير والتعظيم، والتنويه بمقامه الرفيع الشريف، فلم يخاطبه باسمه العلم كما خاطب سائر الرسل بقوله " يا إبراهيم، يا نوح، يا عيسى بن مريم " وإنما خاطبه بلفظ النبوة أو الرسالة، وذلك أعظم دليل وبرهان على أنه - صلوات الله عليه - أفضل الأنبياء والمرسلين ومعنى الآية: يا أيها الموحى إليه من السماء، المنبأ بواسطة الأمين جبريل عليه السلام، لماذا تمنع نفسك ما أحل الله لك من النساء؟! قال المفسرون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا بأم ولده " مارية " في بيت حفصة وعلمت بذلك فقال لها: اكتمي علي وقد حرمت مارية على نفسي فنزلت الآية ﴿ يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك ﴾ وفي افتتاح العتاب من حسن التلطف ما لا يخفى، فقد عاتبه على إتعاب نفسه والتضييق عليها من أجل مرضاة أزواجه، كأنه يقول: لا تتعب نفسك في سبيل أزواجك، وأزواجك يسعين في مرضاتك، فأرح نفسك من هذا العناء ﴿ تبتغي مرضات أزواجك ﴾؟ أي تطلب رضا أزواجك بتحريم ما أحل الله لك؟ قال في التسهيل: يعني تحريمه للجارية ابتغاء رضا حفصة، وهذا يدل على أنها نزلت في تحريم الجارية، وأما تحريم العسل فلم يقصد فيه رضا أزواجه وإنما تركه لرائحته ﴿ والله غفور رحيم ﴾ أي والله واسع المغفرة، عظيم الرحمة، حيث سامحك في امتناعك عن مارية، وإنما عاتبك رحمة بك، وفي هذا إشارة إلى أن عتابه في ذلك إنما كان كرامة له، وإنما وقع العتاب لتضييقه عليه السلام على نفسه، وامتناعه مما كان له فيه أنس ومتعة، وبئس ما قاله الزمخشري في أن هذا كان منه صلى الله عليه وسلم زلة لأنه حرم ما أحل الله له الخ فإن هذا القول قلة أدب مع مقام النبوة، وجهل بصفات المعصوم، فلم يكن منه صلوات الله عليه تحريم للحلال كما زعم حتى تعتبر مخالفة ومعصية، وإنما امتنع عن بعض إمائه تطييبا لخاطر بعض أزواجه، فعاتبه الله تعالى عليه رفقا به، وتنويها بقدره، وإجلالا لمنصبه عليه السلام أن يراعي مرضاة أزواجه بما يشق عليه، جريا على ما ألف من لطف الله تعالى به ﴿ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ﴾ أي قد شرع الله لكم يا معشر المؤمنين ما تتحللون به من أيمانكم وذلك بالكفارة ﴿ والله مولاكم ﴾ أي والله وليكم وناصركم ﴿ وهو العليم الحكيم ﴾ أي وهو العليم بخلقه الحكيم في صنعه، فلا يأمر ولا ينهى إلا بما تقتضيه الحكمة والمصلحة.

صفوة التفاسير · الصفحة ٧٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٧٤٣