البلاغة: 1- ﴿ وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا مآ ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ﴾ هذا الأسلوب يسمى ب " الإطناب " وفائدته التذكير بالمنة الكبرى والنعمة العظمى على الرسول والمؤمنين.
2- ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين.. ﴾ الآيات قال في البحر: انظر إلى فصاحة هذا الكلام حيث أثبت في الشرطية الأولى قيد الصبر، وحذف نظيره من الثانية، وأثبت في الثانية قيد كونهم من الكفرة، وحذفه من الأولى، ولما كان الصبر شديد الطلب أثبت في جملتي التخفيف، ثم ختمت الآيات بقوله ﴿ والله مع الصابرين ﴾ مبالغة في شدة المطلوبية، وهذا النوع من البديع يسمى " الاحتباك ". فلله در التنزيل ما أحلى فصاحته وأنضر بلاغته!!
9 - سورة التوبة
9.1-22
اللغة: ﴿ برآءة ﴾ برئت من الشيء: إذا قطعت ما بينك وبينه من سبب وأزلته عن نفسك، قال الزجاج: برئت من الرجل والدين براءة، وبرئت من المرض بروءا ﴿ فسيحوا ﴾ السياحة: السير في الأرض والذهاب فيها للتجارة أو العبادة أو غيرهما ﴿ أذان ﴾ الأذان: الإعلام ومنه أذان الصلاة ﴿ مرصد ﴾ المرصد: الموضع الذي يرقب فيه العدو من قولهم: رصدت فلانا إذا ترقبته قال الشاعر: إن المنية للفتى بالمرصد ﴿ استجارك ﴾ طلب جوارك أي أمانك ﴿ إلا ﴾ الإل: العهد والقرابة وأنشد أبو عبيدة:
أفسد الناس خلوف خلفوا
قطعوا الإل وأعراف الرحم
﴿ نكثوا ﴾ النكث: النقض وأصله في كل ما فتل ثم حل ﴿ وليجة ﴾ بطانة ودخيلة، قال أبو عبيدة: كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة وأصله من الولوج، فالداخل في القوم وليس منهم يسمى وليجة وقال الفراء: الوليجة: البطانة من المشركين يفشي إليهم سره، ويعلمهم أمره. سبب النزول: روي أن جماعة من رؤساء قريش أسروا يوم بدر، وفيهم " العباس بن عبد المطلب " فأقبل عليهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيروهم بالشرك، وجعل علي بن أبي طالب يوبخ العباس بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطيعة الرحم، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا؟ فقال: وهل لكم من محاسن؟ فقال: نعم، إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني - الأسير - فنزلت هذه الآية ﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر.. ﴾ الآية.
التفسير: ﴿ برآءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ﴾ أي هذه براءة من المشركين ومن عهودهم كائنة من الله ورسوله قال المفسرون: أخذت العرب تنقض عهودا عقدتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره الله بإلقاء عهودهم إليهم، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الحج ليقيم للناس المناسك، ثم أتبعه عليا ليعلم الناس بالبراءة، فقام علي فنادى في الناس بأربع: ألا يقرب البيت الحرام بعد العام مشرك، وألا يطوف بالبيت عريان، وأنه لا يدخل الجنة إلا مسلم، ومن كان بينه وبين رسول الله مدة فأجله إلى مدته، والله بريء من المشركين ورسوله ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ﴾ أي سيروا آمنين أيها المشركون مدة أربعة أشهر لا يقع بكم منا مكروه، وهو أمر إباحة وفي ضمنه تهديد ﴿ واعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ أي لا تفوتونه تعالى وإن أمهلكم هذه المدة ﴿ وأن الله مخزي الكافرين ﴾ أي مذلهم في الدنيا بالأسر والقتل، وفي الآخرة بالعذاب الشديد ﴿ وأذان من الله ورسوله إلى الناس ﴾ أي إعلام الى كافة الناس بتبرئ الله تعالى ورسوله من المشركين ﴿ يوم الحج الأكبر ﴾ أي يوم النحر الذي هو أفضل أيام المناسك قال الزمخشري: وصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر ﴿ أن الله بريء من المشركين ورسوله ﴾ أي إعلام لهم بأن الله بريء من المشركين وعهودهم، ورسوله بريء منهم أيضا ﴿ فإن تبتم فهو خير لكم ﴾ أي فإن تبتم عن الكفر ورجعتم إلى توحيد الله فهو خير لكم من التمادي في الضلال ﴿ وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ أي وإن أعرضتم عن الإسلام وأبيتم إلا الاستمرار على الغي والضلال، فاعلموا أنكم لا تفوتون الله طلبا، ولا تعجزونه هربا ﴿ وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ﴾ أي بشر الكافرين بعذاب مؤلم موجع يحل بهم قال أبو حيان: جعل الإنذار بشارة على سبيل الاستهزاء بهم، وفي هذا وعيد عظيم لهم ﴿ إلا الذين عاهدتم من المشركين ﴾ أي إلا الذين عاهدتموهم ولم ينقضوا العهد فأتموا إليهم عهدهم قال في الكشاف: وهو استثناء بمعنى الاستدراك أي لكن من وفى ولم ينكث فأتموا عليهم عهدهم، ولا تجروهم مجراهم، ولا تجعلوا الوفي كالغادر ﴿ ثم لم ينقصوكم شيئا ﴾ أي لم ينقصوا من شروط الميثاق شيئا ﴿ ولم يظاهروا عليكم أحدا ﴾ أي لم يعينوا عليكم أحدا من أعدائكم ﴿ فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ﴾ أي وفوا العهد كاملا إلى انقضاء مدته ﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ أي يحب المتقين لربهم الموفين لعهودهم قال البيضاوي: هذا تعليل وتنبيه على أن إتمام عهدهم من باب التقوى قال ابن عباس: كان قد بقي لحي من كنانة من عهدهم تسعة أشهر، فأتم صلى الله عليه وسلم إليهم عهدهم ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ أي مضت وخرجت الأشهر الأربعة التي حرم فيها قتالهم ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ أي اقتلوهم في أي مكان أو زمان من حل أو حرم، قال ابن عباس: في الحل والحرم وفي الأشهر الحرم ﴿ وخذوهم ﴾ أي بالأسر ﴿ واحصروهم ﴾ أي احبسوهم وامنعوهم من التقلب في البلاد قال ابن عباس: إن تحصنوا فاحصروهم أي في القلاع والحصون حتى يضطروا إلى القتل أو الإسلام ﴿ واقعدوا لهم كل مرصد ﴾ أي اقعدوا لهم في كل طريق يسلكونه، وارقبوهم في كل ممر يجتازون منه في أسفارهم قال في البحر: وهذا تنبيه على أن المقصود إيصال الأذى إليهم بكل وسيلة بطريق القتال أو بطريق الاغتيال ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ أي فإن تابوا عن الشرك وأدوا ما فرض عليهم من الصلاة والزكاة ﴿ فخلوا سبيلهم ﴾ أي كفوا عنهم ولا تتعرضوا لهم ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ أي واسع المغفرة والرحمة لمن تاب وأناب ﴿ وإن أحد من المشركين استجارك ﴾ أي إن استأمنك مشرك وطلب منك جوارك ﴿ فأجره حتى يسمع كلام الله ﴾ أي أمنه حتى يسمع القرآن ويتدبره قال الزمخشري: المعنى إن جاءك أحد من المشركين بعد انقضاء الأشهر، لا عهد بينك وبينه، واستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من التوحيد والقرآن، فأمنه حتى يسمع كلام الله ويتدبره ويطلع على حقيقة الأمر أقول: هذا غاية في حسن المعاملة وكرم الأخلاق، لأن المراد ليس النيل من الكافرين، بل إقناعهم وهدايتهم حتى يعرفوا الحق فيتبعوه، ويتركوا ما هم عليه من الضلال ﴿ ثم أبلغه مأمنه ﴾ أي ثم إن لم يسلم فأوصله إلى ديار قومه التي يأمن فيها على نفسه وماله من غير غدر ولا خيانة ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ﴾ أي ذلك الأمر بالإجارة للمشركين، بسبب أنهم لا يعلمون حقيقة دين الإسلام، فلا بد من أمانهم حتى يسمعوا ويتدبروا، ثم بين تعالى الحكمة من البراءة من عهود المشركين فقال ﴿ كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ﴾ استفهام بمعنى الانكار والاستبعاد أي كيف يكون لهم عهد معتد به عند الله ورسوله، ثم استدرك فقال ﴿ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ﴾ أي لكن من عاهدتم من المشركين عند المسجد الحرام ولم ينقضوا العهد قال ابن عباس: هم أهل مكة وقال ابن اسحاق: هم قبائل بني بكر كانوا دخلوا وقت الحديبية في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، فأمر بإتمام العهد لمن لم يكن نقض عهده منهم ﴿ فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ﴾ أي فما داموا مستقيمين على عهدهم فاستقيموا لهم على العهد قال الطبري: أي فما استقاموا لكم على العهد فاستقيموا لهم على الوفاء ﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ أي يحب من اتقى ربه، ووفى عهده، وترك الغدر والخيانة ﴿ كيف وإن يظهروا عليكم ﴾ تكرار لاستبعاد ثباتهم على العهد أي كيف يكون لهم عهد وحالهم هذه أنهم إن يظفروا بكم ﴿ لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ﴾ أي لا يراعوا فيكم عهدا ولا ذمة، لأنه لا عهد لهم ولا أمان قال أبو حيان: وهذا كله تقرير واستبعاد لثبات قلوبهم على العهد ﴿ يرضونكم بأفواههم ﴾ أي يرضونكم بالكلام الجميل إن كان الظفر لكم عليهم ﴿ وتأبى قلوبهم ﴾ أي وتمتنع قلوبهم من الإذعان والوفاء بما أظهروه وقال الطبري: المعنى يعطونكم بألسنتهم من القول خلاف ما يضمرونه لكم في نفوسهم من العداوة والبغضاء، وتأبى قلوبهم أن يذعنوا بتصديق ما يبدونه لكم بألسنتهم ﴿ وأكثرهم فاسقون ﴾ أي وأكثرهم ناقضون للعهد خارجون عن طاعة الله ﴿ اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ﴾ أي استبدلوا بالقرآن عرضا يسيرا من متاع الدنيا الخسيس ﴿ فصدوا عن سبيله ﴾ أي منعوا الناس عن اتباع دين الإسلام ﴿ إنهم سآء ما كانوا يعملون ﴾ أي بئس هذا العمل القبيح الذي عملوه ﴿ لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ﴾ أي لا يراعون في قتل مؤمن لو قدروا عليه عهدا ولا ذمة ﴿ وأولئك هم المعتدون ﴾ أي وأولئك الجامعون لتلك الأوصاف الذميمة هم المجاوزون الحد في الظلم والبغي ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ أي فإن تابوا عن الكفر وأقاموا الصلاة وأعطوا الزكاة ﴿ فإخوانكم في الدين ﴾ أي فهم إخوانكم في الدين، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم ﴿ ونفصل الآيات لقوم يعلمون ﴾ أي ونبين الحجج والأدلة لأهل العلم والفهم، والجملة اعتراضية للحث على التدبر والتأمل ﴿ وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم ﴾ أي وإن نقضوا عهودهم الموثقة بالأيمان ﴿ وطعنوا في دينكم ﴾ أي عابوا الإسلام بالقدح والذم ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر ﴾ أي رؤساء وصناديد الكفر ﴿ إنهم لا أيمان لهم ﴾ أي لا أيمان لهم ولا عهود يوفون بها ﴿ لعلهم ينتهون ﴾ أي كي يكفوا عن الإجرام، وينتهوا عن الطعن في الإسلام، قال البيضاوي: وهو متعلق ب " قاتلوا " أي ليكن غرضكم في المقاتلة الانتهاء عما هم عليه، لا إيصال الأذية بهم كما هو طريقة المؤذين ﴿ ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم ﴾ تحريض على قتالهم أي ألا تقاتلون يا معشر المؤمنين قوما نقضوا العهود وطعنوا في دينكم؟ ﴿ وهموا بإخراج الرسول ﴾ أي عزموا على تهجير الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة حين تشاوروا بدار الندوة على إخراجه من بين أظهركم ﴿ وهم بدءوكم أول مرة ﴾ أي هم البادئون بالقتال حيث قاتلوا حلفاءكم خزاعة، والبادئ أظلم، فما يمنعكم أن تقاتلوهم؟ ﴿ أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه ﴾؟ أي أتخافونهم فتتركون قتالهم خوفا على أنفسكم منهم؟ فالله أحق أن تخافوا عقوبته إن تركتم أمره ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ أي إن كنتم مصدقين بعذابه وثوابه قال الزمخشري: يعني أن قضية الإيمان الصحيح ألا يخشى المؤمن إلا ربه ولا يبالي بما سواه.