تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تنبيه: الصلاة الوسطى على الراجح من الأقوال هي صلاة العصر لأنها وسط بين الفجر والظهر والمغرب والعشاء ويقوي هذا ما ورد في الصحيحين:

" شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارا "

وفي الحديث:

" الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله "

أخرجه الشيخان وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة.

2.243-252

المناسبة: لما ذكر تعالى أحكام الأسرة بالتفصيل والنظم التي تربط بين أفرادها، وسعى لإصلاحها باعتبار أنها النواة واللبنة التي يشاد منها صرح المجتمع الفاضل، ذكر بعدها أحكام الجهاد وذلك لحماية العقيدة وصيانة المقدسات، وتأمين البيئة الصالحة للأسرة المسلمة التي تنشد الحياة الكريمة، فلا صلاح للأسرة إلا بصلاح المجتمع، ولا بقاء لها ولا خلود إلا ببقاء الحق وأنصاره، ولهذا أمر تعالى بالقتال وضرب عليه الأمثال بالأمم السابقة، كيف جاهدت في سبيل الحق وانتصرت القلة مع إيمانها على الكثرة مع كفرها وطغيانها، فليست العبرة بكثرة أنصار الباطل بل بصمود أهل الحق والتزامهم له وجهادهم في سبيله.

اللغة: ﴿ ألوف ﴾ جمع ألف جمع كثرة وفي القلة آلاف، ومعناه كثرة كاثرة وألوف مؤلفة. ﴿ حذر ﴾ خشية وخوف ﴿ يقبض ويبسط ﴾ القبض: ضم الشيء والجمع عليه والمراد به التقتير والبسط ضده والمراد به التوسيع قال أبو تمام:

تعود بسط الكف حتى لو أنه

دعاها لقبض لم تجبه أنامله

﴿ الملإ ﴾ الأشراف من الناس سموا بذلك لأنهم يملؤون العين مهابة وإجلالا. ﴿ فصل ﴾ انفصل من مكانه يقال: فصل عن الموضع انفصل عنه وجاوزه. ﴿ مبتليكم ﴾ مختبركم. ﴿ يظنون ﴾ يستيقنون ويعلمون. ﴿ فئة ﴾ الفئة: الجماعة من الناس لا واحد له كالرهط والنفر. ﴿ أفرغ ﴾ أفرغ الشيء صبه وأنزله.

التفسير: ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف ﴾ أي ألم يصل إلى سمعك يا محمد أو أيها المخاطب حال أولئك القوم الذين خرجوا من وطنهم وهم ألوف مؤلفة ﴿ حذر الموت ﴾ أي خوفا من الموت وفرارا منه، والغرض من الاستفهام التعجيب والتشويق إلى سماع قصتهم وكانوا سبعين ألفا ﴿ فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم ﴾ أي أماتهم الله ثم أحياهم، وهم قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد فهربوا خوفا من الموت فأماتهم الله ثمانية أيام ثم أحياهم بدعوة نبيهم " حزقيل " فعاشوا بعد ذلك دهرا، وقيل: هربوا من الطاعون فأماتهم الله قال ابن كثير: وفي هذه القصة عبرة على أنه لا يغني حذر من قدر، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه ﴿ إن الله لذو فضل على الناس ﴾ أي ذو إنعام وإحسان على الناس حيث يريهم من الآيات الباهرة والحجج القاطعة ما يبصرهم بما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة ﴿ ولكن أكثر الناس لا يشكرون ﴾ أي لا يشكرون الله على نعمه بل ينكرون ويجحدون ﴿ وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم ﴾ أي قاتلوا الكفار لإعلاء دين الله، لا لحظوظ النفس وأهوائها واعلموا أن الله سميع لأقوالكم، عليم بنياتكم وأحوالكم فيجازيكم عليها، وكما أن الحذر لا يغني من القدر فكذلك الفرار من الجهاد لا يقرب أجلا ولا يبعده ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ﴾ أي من الذي يبذل ماله وينفقه في سبيل الخير ابتغاء وجه الله، ولإعلاء كلمة الله في الجهاد وسائر طرق الخير، فيكون جزاؤه أن يضاعف الله تعالى له ذلك القرض أضعافا كثيرة؟ لأنه قرض لأغنى الأغنياء رب العالمين جل جلاله وفي الحديث

" من يقرض غير عديم ولا ظلوم "

﴿ والله يقبض ويبسط ﴾ أي يقتر على من يشاء ويوسع على من يشاء ابتلاء وامتحانا ﴿ وإليه ترجعون ﴾ أي يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم ﴿ ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى ﴾ أي ألم يصل خبر القوم إليك؟ وهو تعجيب وتشويق للسامع كما تقدم وكانوا من بني إسرائيل وبعد وفاة موسى عليه السلام كما دلت عليه الآية ﴿ إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ﴾ أي حين قالوا لنبيهم " شمعون " - وهو من نسل هارون أقم لنا أميرا واجعله قائدا لنا لنقاتل معه الأعداء في سبيل الله ﴿ قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ﴾ أي قال لهم نبيهم: أخشى أن يفرض عليكم القتال ثم لا تقاتلوا عدوكم وتجبنوا عن لقائه ﴿ قالوا وما لنآ ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا ﴾ أي أي سبب لنا في ألا نقاتل عدونا وقد أخذت منا البلاد وسبيت الأولاد؟ قال تعالى بيانا لما انطوت عليه نفوسهم من الهلع والجبن ﴿ فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم ﴾ أي لما فرض عليهم القتال نكل أكثرهم عن الجهاد إلا فئة قليلة منهم صبروا وثبتوا، وهم الذين عبروا النهر مع طالوت، قال القرطبي: وهذا شأن الأمم المتنعمة المائلة إلى الدعة، تتمنى الحرب أوقات الأنفة فإذا حضرت الحرب جبنت وانقادت لطبعها ﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ وعيد لهم على ظلمهم بترك الجهاد عصيانا لأمره تعالى ﴿ وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ﴾ أي أخبرهم نبيهم بأن الله تعالى قد ملك عليهم طالوت ليكونوا تحت إمرته في تدبير أمر الحرب واختاره ليكون أميرا عليهم ﴿ قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال ﴾ أي قالوا معترضين على نبيهم كيف يكون ملكا علينا والحال أننا أحق بالملك منه لأن فينا من هو من أولاد الملوك وهو مع هذا فقير لا مال له فكيف يكون ملكا علينا؟ ﴿ قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ﴾ أي أجابهم نبيهم على ذلك الاعتراض فقال: إن الله اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم، والعمدة في الاختيار أمران: العلم ليتمكن به من معرفة أمور السياسة، والأمر الثاني قوة البدن ليعظم خطره في القلوب، ويقدر على مقاومة الأعداء ومكابدة الشدائد، وقد خصه الله تعالى منهما بحظ وافر، قال ابن كثير: ومن هاهنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم، وشكل حسن، وقوة شديدة في بدنه ونفسه، ﴿ والله يؤتي ملكه من يشآء ﴾ أي يعطي الملك لمن شاء من عباده من غير إرث أو مال ﴿ والله واسع عليم ﴾ أي واسع الفضل عليم بمن هو أهل له فيعطيه إياه.

صفوة التفاسير · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٨٦