تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

13- توافق الفواصل وهو من المحسنات البديعية وهو كثير في القرآن العظيم.

43 - سورة الزخرف

43.1-25

اللغة: ﴿ صفحا ﴾ إعراضا يقال: ضربت عنه صفحا إذا أعرضت عنه وتركته ﴿ بطشا ﴾ قوة وانتقاما، وبطش به أخذه بشدة وعنف ﴿ مهدا ﴾ فراشا وبساطا ﴿ أنشرنا ﴾ أحيينا، والنشور، الإحياء بعد الموت ﴿ تستووا ﴾ تستقروا وتركبوا ﴿ مقرنين ﴾ مطيقين ﴿ كظيم ﴾ مملوء غما وغيظا ﴿ يخرصون ﴾ يكذبون ﴿ أمة ﴾ دين وطريقة ﴿ مترفوهآ ﴾ المترف: المتنعم المنغمس في الشهوات.

التفسير: ﴿ حم ﴾ الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن ﴿ والكتاب المبين ﴾ قسم أقسم الله به أي أقسم بالقرآن البين الواضح الجلي، المظهر طريق الهدى من طريق الضلال، المبين للبشرية ما تحتاج إليه من الأحكام والدلائل الشرعية ﴿ إنا جعلناه قرآنا عربيا ﴾ هذا هو المقسم عليه أي أنزلناه بلغة العرب، مشتملا على كمال الفصاحة والبلاغة، بأسلول محكم، وبيان معجز ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ أي لكي تفهموا أحكامه، وتتدبروا معانيه، وتعقلوا أن أسلوبه الحكيم خارج عن طوق البشر قال البيضاوي: أقسم تعالى بالقرآن على أنه جعله قرآنا عربيا، وهو من البدائع البلاغية لتناسب القسم والمقسم عليه، تنبيها على أنه لا شيء أعلا منه فيقسم به، وهذا يدل على شرف القرآن وعزته بأبلغ وجه وأدقه ﴿ وإنه في أم الكتاب لدينا ﴾ أي وإنه في اللوح المحفوظ عندنا ﴿ لعلي حكيم ﴾ أي رفيع الشأن عظيم القدر، ذو حكمة بالغة ومكانة فائقة قال ابن كثير: بين شرف القرآن في الملأ الأعلى، ليشرفه ويعظمه أهل الأرض أي وإن القرآن في اللوح المحفوظ عندنا ذو مكانة عظيمة، وشرف وفضل ﴿ أفنضرب عنكم الذكر صفحا ﴾ الاستفهام إنكاري أي أنترك تذكيركم إعراضا عنكم، ونعتبركم كالبهائم فلا نعظكم بالقرآن؟ ﴿ أن كنتم قوما مسرفين ﴾ أي لأجل أنكم مسرفون في التكذيب والعصيان؟ لا، بل نذكركم ونعظكم به إلى أن ترجعوا إلى طريق الحق قال قتادة: لو أن هذا القرآن رفع حين رده الأوائل لهلكوا، ولكن الله برحمته كرره عليهم، ودعاهم إليه عشرين سنة قال ابن كثير: وقول قتادة لطيف المعنى جدا وحاصله أنه تعالى من لطفه ورحمته بخلقه لا يترك دعاءهم إلى الخير، وإلى الذكر الحكيم، وإن كانوا مسرفين معرضين عنه، بل يأمر به ليهتدي به من قدر هدايته، وتقوم الحجة على من كتب شقاوته ﴿ وكم أرسلنا من نبي في الأولين ﴾؟ تسلية للنبي عليه السلام أي ما أكثر ما أرسلنا من الأنبياء في الأمم الأولين؟ ﴿ وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون ﴾ أي ولم يكن يأتيهم نبي إلا سخروا منه واستهزءوا به قال الصاوي: وهذا اتسلية له صلى الله عليه وسلم والمعنى تسل يا محمد ولا تحزن فإنه وقع للرسل قبلك ما وقع لك ﴿ فأهلكنآ أشد منهم بطشا ﴾ أي فأهلكنا قوما كانوا أشد قوة من كفار مكة وأعتى منهم وأطغى ﴿ ومضى مثل الأولين ﴾ أي وسبق في القرآن أحاديث إهلاكهم، ليكونوا عظة وعبرة لمن بعدهم من المكذبين قال الإمام الفخر: إن كفار مكة سلكوا في الكفر والتكذيب مسلك من كان قبلهم، فليحذروا أن ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك فقد ضربنا لهم مثلهم ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ﴾ أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من خلق السماوات والأرض بهذا الشكل البديع ﴿ ليقولن خلقهن العزيز العليم ﴾ أي ليقولن خلقهن الله وحده، العزيز في ملكه، العليم بخلقه قال القرطبي: أقروا له بالخلق والإيجاد، ثم عبدوا معه غيره جهلا منهم وسفها.

. ثم بين تعالى لهم صفاته الجليلة، الدالة على كمال القدرة والحكمة فقال ﴿ الذي جعل لكم الأرض مهدا ﴾ أي بسط الأرض وجعلها كالفراش لكم، تستقرون عليها وتقومون وتنامون ﴿ وجعل لكم فيها سبلا ﴾ أي وجعل لكم فيها طرقا تسلكونها في أسفاركم ﴿ لعلكم تهتدون ﴾ أي لكي تهتدوا إلى قدرة الخالق الحكيم، مودع هذا النظام العجيب ﴿ والذي نزل من السمآء مآء بقدر ﴾ أي نزل بقدرته الماء من السماء بمقدار ووزن معلوم، بحسب الحاجة والكفاية قال البيضاوي: أي بمقدار ينفع ولا يضر ﴿ فأنشرنا به بلدة ميتا ﴾ أي فأحيينا به أرضا ميتة مقفرة من النبات ﴿ كذلك تخرجون ﴾ أي كذلك نخرجكم من قبوركم كما نخرج النبات من الأرض الميتة ﴿ والذي خلق الأزواج كلها ﴾ أي خلق جميع الأصناف من الحيوان والنبات وغير ذلك قال ابن عباس: " الأزواج " الأصناف والأنواع كلها كالحلو والحامض، والأبيض والأسود، والذكر والأنثى ﴿ وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ﴾ أي وسخر لكم من السفن في البحر، والإبل في البر ما تركبونه في أسفاركم قال ابن كثير أي ذللها وسخرها ويسرها لكم، لتأكلوا لحومها وتركبوا ظهورها ﴿ لتستووا على ظهوره ﴾ أي لتستقروا على ظهور هذا المركوب، سفينة كانت أو جملا ﴿ ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ﴾ أي وتتذكروا نعمة ربكم الجليلة عليكم حين تستقرون فوقها فتشكروه بقلوبكم ﴿ وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا ﴾ أي وتقولوا بألسنتكم عند ركوبكم: سبحان الله الذي ذلل ويسر لنا ركوب هذا المركوب ﴿ وما كنا له مقرنين ﴾ أي وما كنا قادرين ولا مطيقين لركوبه لولا تسخيره تعالى لنا ﴿ وإنآ إلى ربنا لمنقلبون ﴾ أي وإنا إلى ربنا لراجعون، وصائرون إليه بعد الموت قال في حاشية البيضاوي: وليس المراد من ذكر النعمة تصورها وإخطارها في البال، بل المراد تذكر أنها نعمة حاصلة بتدبير القادر العليم الحكيم، مستدعية لطاعته وشكره، فإن من تفكر في أن ما يركبه الإنسان من الفلك والأنعام، أكثر قوة وأكبر جثة من راكبه، ومع ذلك كان مسخرا لراكبه يتمكن من تصريفه إلى أي جانب شاء، وتفكر أيضا في خلق البحر والريح وفي كونهما مسخرين للإنسان مع ما فيهما من المهابة والأهوال، استغرق في معرفة عظمة الله تعالى وكبريائه، وكمال قدرته وحكمته، فيحمله ذلك الاستغراق على أن يقول متعجبا من عظمة الله ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾.

صفوة التفاسير · الصفحة ٦٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٦٢٢