خامسا: ﴿ وإياي فارهبون ﴾ و ﴿ إياي فاتقون ﴾ يفيد الاختصاص.
فائدة: قال بعض العارفين: عبيد النعم كثيرون، وعبيد المنعم قليلون، فالله تعالى ذكر بني إسرائيل بنعمه عليهم، حتى يعرفوا نعمة المنعم فقال ﴿ اذكروا نعمتي ﴾ وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد ذكرهم بالمنعم فقال
فاذكروني أذكركم
[البقرة: 152] ليتعرفوا من المنعم على النعمة وشتان بين الأمرين.
2.44-48
اللغة: ﴿ بالبر ﴾ البر: سعة الخير والمعروف ومنه البر والبرية للسعة، وهو اسم جامع لأعمال الخير، ومنه بر الوالدين وهو طاعتهما وفي الحديث
" البر لا يبلى والذنب لا ينسى "
﴿ وتنسون ﴾: تتركون والنسيان يأتي بمعنى الترك كقوله
نسوا الله فنسيهم
[التوبة: 67] وهو المراد هنا ويأتي بمعنى ذهاب الشيء من الذاكرة كقوله
فنسي ولم نجد له عزما
[طه: 115] ﴿ تتلون ﴾: تقرءون وتدرسون ﴿ الخاشعين ﴾ الخاشع: المتواضع وأصله من الاستكانة والذل قال الزجاج: الخاشع الذي يرى أثر الذل والخشوع عليه، وخشعت الأصوات: سكنت ﴿ يظنون ﴾ الظن هنا بمعنى اليقين لا الشك، وهو من الأضداد قال أبو عبيدة: العرب تقول لليقين ظن، وللشك ظن وقد كثر استعمال الظن بمعنى اليقين ومنه
إني ظننت أني ملاق حسابيه
[الحاقة: 20]
فظنوا أنهم مواقعوها
[الكهف: 53]، ﴿ شفاعة ﴾ الشفاعة مأخوذة من الشفع ضد الوتر، وهي ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك ولهذا سميت شفاعة، فهي إذا إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع ﴿ عدل ﴾ بفتح العين فداء وبكسرها معناه: المثل يقال: عدل وعديل للذي يماثلك.
المناسبة: لا تزال الآيات تتحدث عن بني إسرائيل، وفي هذه الآيات ذم وتوبيخ لهم على سوء صنيعهم، حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه، ويدعون الناس إلى الهدى والرشاد ولا يتبعونه.
سبب النزول: نزلت هذه الآية في بعض علماء اليهود، كانوا يقولون لأقربائهم الذين أسلموا: اثبتوا على دين محمد فإنه حق، فكانوا يأمرون الناس بالإيمان ولا يفعلونه.
التفسير: يخاطب الله أحبار اليهود فيقول لهم على سبيل التقريع والتوبيخ ﴿ أتأمرون الناس بالبر ﴾ أي أتدعون الناس إلى الخير وإلى الإيمان بمحمد ﴿ وتنسون أنفسكم ﴾ أي تتركونها فلا تؤمنون ولا تفعلون الخير ﴿ وأنتم تتلون الكتاب ﴾ أي حال كونكم تقرءون التوراة وفيها صفة ونعت محمد عليه السلام ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أي أفلا تفطنون وتفقهون أن ذلك قبيح فترجعون عنه؟! ثم بين لهم تعالى طريق التغلب على الأهواء والشهوات، والتخلص من حب الرياسة وسلطان المال فقال ﴿ واستعينوا ﴾ أي اطلبوا المعونة على أموركم كلها ﴿ بالصبر والصلاة ﴾ أي بتحمل ما يشق على النفس من تكاليف شرعية، وبالصلاة التي هي عماد الدين ﴿ وإنها ﴾ أي الصلاة ﴿ لكبيرة ﴾ أي شاقة وثقيلة ﴿ إلا على الخاشعين ﴾ أي المتواضعين المستكينين الذين صفت نفوسهم لله ﴿ الذين يظنون ﴾ أي يعتقدون اعتقادا جازما لا يخالجه شك ﴿ أنهم ملقوا ربهم ﴾ أي سيلقون ربهم يوم البعث فيحاسبهم على أعمالهم ﴿ وأنهم إليه راجعون ﴾ أي معادهم إليه يوم الدين. ثم ذكرهم تعالى بنعمه وآلائه العديدة مرة أخرى فقال ﴿ يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ﴾ بالشكر عليها بطاعتي ﴿ وأني فضلتكم ﴾ أي فضلت آباءكم ﴿ على العالمين ﴾ أي عالمي زمانهم بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وجعلهم سادة وملوكا، وتفضيل الآباء شرف للأبناء ﴿ واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ﴾ أي خافوا ذلك اليوم الرهيب الذي لا تقضي فيه نفس عن أخرى شيئا من الحقوق ﴿ ولا يقبل منها شفاعة ﴾ أي لا تقبل شفاعة في نفس كافرة بالله أبدا ﴿ ولا يؤخذ منها عدل ﴾ أي لا يقبل منها فداء ﴿ ولا هم ينصرون ﴾ أي ليس لهم من يمنعهم وينجيهم من عذاب الله.
البلاغة: أولا: ﴿ أتأمرون ﴾ الاستفهام خرج عن حقيقته إلى معنى التوبيخ والتقريع.