إنآ أنشأناهن إنشآء * فجعلناهن أبكارا * عربا أترابا
[الواقعة: 35 - 37] ﴿ وهم فيها خالدون ﴾ أي دائمون، وهذا هو تمام السعادة، فإنهم مع هذا النعيم في مقام أمين، يعيشون مع زوجاتهم في هناء خالد لا يعتريه انقطاع.
البلاغة: 1- ذكر الربوبية ﴿ اعبدوا ربكم ﴾ مع إضافته إلى المخاطبين للتفخيم والتعظيم.
2 - الإضافة ﴿ على عبدنا ﴾ للتشريف والتخصيص، وهذا أشرف وصف لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
3 - التعجيز ﴿ فأتوا بسورة ﴾ خرج الأمر عن صيغته إلى معنى التعجيز، وتنكير السورة لإرادة العموم والشمول.
4 - المقابلة اللطيفة ﴿ جعل لكم الأرض فراشا والسماء بنآء ﴾ فقد قابل بين الأرض والسماء، والفراش والبناء، وهذا من المحسنات البديعية.
5 - الجملة الاعتراضية ﴿ ولن تفعلوا ﴾ لبيان التحدي في الماضي والمستقبل وبيان العجز التام في جميع العصور والأزمان.
6 - الإيجاز البديع بذكر الكناية ﴿ فاتقوا النار ﴾ أي فإن عجزتم فخافوا نار جهنم بتصديقكم بالقرآن.
2.26-29
المناسبة: لما بين تعالى بالدليل الساطع، والبرهان القاطع، أن القرآن كلام الله لا يتطرأ إليه شك، وإنه كتاب معجز أنزله على خاتم المرسلين، وتحداهم أن يأتوا بمثل سورة من أقصر سوره، ذكر هنا شبهة أوردها الكفار للقدح فيه وهي أنه جاء في القرآن ذكر (النحل، والذباب، والعنكبوت، والنمل) الخ وهذه الأمور لا يليق ذكرها بكلام الفصحاء فضلا عن كلام رب الأرباب، فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة، ورد عليهم بأن صغر هذه الأشياء لا يقدح في فصاحة القرآن وإعجازه، إذا كان ذكر المثل مشتملا على حكم بالغة.
اللغة: ﴿ لا يستحى ﴾ الحياء: تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم، والمراد به هنا لازمه وهو الترك، قال الزمخشري: أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي من ذكرها لحقارتها ﴿ فما فوقها ﴾ فما دونها في الصغر ﴿ الفاسقين ﴾ أصل الفسق في كلام العرب: الخروج عن الشيء، والمنافق فاسق لخروجه عن طاعة ربه، قال الفراء: الفاسق مأخوذ من قولهم فسقت الرطبة من قشرها أي خرجت، ويسمى الفاسق فاسقا لخروجه عن طاعة الله، وتسمى الفأرة فويسقة لخروجها لأجل المضرة. ﴿ ينقضون ﴾ النقض: فسخ التركيب وإفساد ما أبرمته من بناء، أو حبل، أو عهد قال تعالى
ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها
[النحل: 92] وقال
فبما نقضهم ميثاقهم
[النساء: 155] أي فبنقضهم الميثاق ﴿ عهد ﴾ العهد: الموثق الذي يعطيه الإنسان لغيره ويقال عهد إليه أي أوصاه
الميثاق
[الرعد: 20] العهد المؤكد باليمين وهو أبلغ من العهد. ﴿ استوى ﴾ الاستواء في الأصل: الاعتدال والاستقامة يقال: استوى العود إذا قام واعتدل، واستوى إليه كالسهم إذا قصده قصدا مستويا، وقال ثعلب: الاستواء: الإقبال على الشيء. ﴿ فسواهن ﴾ خلقهن وأتقنهن وقيل معناه: صيرهن.
سبب النزول: لما ذكر الله تعالى الذباب والعنكبوت في كتابه، وضرب للمشركين به المثل ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله، وما أراد بذكر هذه الأشياء الخسيسة؟ فأنزل الله الآية.
التفسير: يقول تعالى في الرد على مزاعم اليهود والمنافقين ﴿ إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما ﴾ أي إن الله لا يستنكف ولا يمتنع عن أن يضرب أي مثل كان، بأي شيء كان، صغيرا كان أو كبيرا ﴿ بعوضة فما فوقها ﴾ أي سواء كان هذا المثل بالبعوضة أو بما هو دونها في الحقارة والصغر، فكما لا يستنكف عن خلقها، كذلك لا يستنكف عن ضرب المثل بها ﴿ فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ﴾ أما المؤمنون فيعلمون أن الله حق، لا يقول غير الحق، وأن هذا المثل من عند الله ﴿ وأما الذين كفروا فيقولون ماذآ أراد الله بهذا مثلا ﴾؟ وأما الذين كفروا فيتعجبون ويقولون: ماذا أراد الله من ضرب الأمثال بمثل هذه الأشياء الحقيرة؟ قال تعالى في الرد عليهم ﴿ يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ﴾ أي يضل بهذا المثل كثيرا من الكافرين لكفرهم به، ويهدي به كثيرا من المؤمنين لتصديقهم به، فيزيد أولئك ضلالة، وهؤلاء هدى ﴿ وما يضل به إلا الفاسقين ﴾ أي ما يضل بهذا المثل أو بهذا القرآن إلا الخارجين عن طاعة الله، الجاحدين بآياته، ثم عدد تعالى أوصاف هؤلاء الفاسقين فقال ﴿ الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ﴾ أي ينقضون ما عهده إليهم في الكتب السماوية، من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم من بعد توكيده عليهم، أو ينقضون كل عهد وميثاق من الإيمان بالله، والتصديق بالرسل، والعمل بالشرائع ﴿ ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل ﴾ من صلة الأرحام والقرابات، واللفظ عام في كل قطيعة لا يرضاها الله كقطع الصلة بين الأنبياء، وقطع الأرحام، وترك موالاة المؤمنين ﴿ ويفسدون في الأرض ﴾ بالمعاصي، والفتن، والمنع عن الإيمان، وإثارة الشبهات حول القرآن ﴿ أولئك هم الخاسرون ﴾ أي أولئك المذكورون، الموصوفون بتلك الأوصاف القبيحة هم الخاسرون لأنهم استبدلوا الضلالة بالهدى، والعذاب بالمغفرة، فصاروا إلى النار المؤبدة ﴿ كيف تكفرون بالله ﴾ استفهام للتوبيخ والإنكار والمعنى كيف تجحدون الخالق، وتنكرون الصانع ﴿ وكنتم أمواتا ﴾ أي وقد كنتم في العدم نطفا في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات ﴿ فأحياكم ﴾ أي أخرجكم إلى الدنيا ﴿ ثم يميتكم ﴾ عند انقضاء الآجال ﴿ ثم يحييكم ﴾ بالبعث من القبور ﴿ ثم إليه ترجعون ﴾ للحساب والجزاء يوم النشور.