تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4 - سورة النساء

4.1-10

اللغة: ﴿ بث ﴾ نشر وفرق ومنه

وزرابي مبثوثة

[الغاشية: 16] ﴿ الأرحام ﴾ جمع رحم وهو في الأصل مكان تكون الجنين في بطن أمه ثم أطلق على القرابة ﴿ رقيبا ﴾ الرقيب: الحفيظ المطلع على الأعمال ﴿ حوبا ﴾ الحوب: الذنب والإثم ﴿ تعولوا ﴾ تميلوا وتجوروا يقال: عال الميزان إذا مال، وعال الحاكم إذا جار ﴿ صدقاتهن ﴾ جمع صدقة وهو المهر ﴿ نحلة ﴾ هبة وعطية ﴿ السفهآء ﴾ ضعفاء العقول والمراد به هنا المبذرون للأموال ﴿ آنستم ﴾ أبصرتم من آنس الشيء أبصره ﴿ بدارا ﴾ أي مبادرة بمعنى مسارعة أي يسارع في تبذيرها قبل أن يكبر اليتيم فيتسلمها منه ﴿ سديدا ﴾ من السداد بمعنى الاستقامة.

سبب النزول: أ - عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ﴾ فقالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن ذلك إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهن أعلى سنتهن في الصداق، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن، وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فأنزل الله ﴿ ويستفتونك في النسآء ﴾ الآية.

ب - عن مقاتل بن حيان أن رجلا من غطفان يقال له " مرثد بن زيد " ولي مال ابن أخيه وهو يتيم صغير فأكله فأنزل الله ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما... ﴾ الآية.

التفسير: افتتح الله جل ثناؤه سورة النساء بخطاب الناس جميعا ودعوتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، منبها لهم على قدرته ووحدانيته فقال ﴿ يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ أي خافوا الله الذي أنشأكم من أصل واحد وهو نفس أبيكم آدم ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ أي أوجد من تلك النفس الواحدة زوجها وهي حواء ﴿ وبث منهما رجالا كثيرا ونسآء ﴾ أي نشر وفرق من آدم وحواء خلائق كثيرين ذكورا وإناثا ﴿ واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام ﴾ أي خافوا الله الذي يناشد بعضكم بعضا به حيث يقول: أسألك بالله، وأنشدك بالله، واتقوا الأرحام أن تقطعوها ﴿ إن الله كان عليكم رقيبا ﴾ أي حفيظا مطلعا على جميع أحوالكم وأعمالكم، وقد أكد تعالى الأمر بتقوى الله في موطنين: في أول الآية، وفي آخرها ليشير إلى عظم حق الله على عباده، كما قرن تعالى بين التقوى وصلة الرحم ليدل على أهمية هذه الرابطة الإنسانية، فالناس جميعا من أصل واحد، وهم إخوة في الإنسانية والنسب، ولو أدرك الناس هذا لعاشوا في سعادة وأمان، ولما كانت هناك حروب طاحنة مدمرة تلتهب الأخضر واليابس، وتقضي على الكهل والوليد، ثم ذكر تعالى اليتامى فأوصى بهم خيرا وأمر بالمحافظة على أموالهم فقال ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ أي أعطوا اليتامى الذين مات آباؤهم وهم صغار أموالهم إذا بلغوا ﴿ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ أي لا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ أي لا تخلطوا أموال اليتامى بأموالكم فتأكلوها جميعا ﴿ إنه كان حوبا كبيرا ﴾ أي ذنبا عظيما، فإن اليتيم بحاجة إلى رعاية وحماية لأنه ضعيف، وظلم الضعيف ذنب عظيم عند الله، ثم أرشد تعالى إلى ترك التزوج من اليتيمة إذا لم يعطها مهر المثل فقال ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ﴾ أي إذا كانت تحت حجر أحدكم يتيمة وخاف ألا يعطيها مهر مثلها فليتركها إلى ما سواها فإن النساء كثير ولم يضيق الله عليه ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النسآء مثنى وثلاث ورباع ﴾ أي انكحوا ما شئتم من النساء سواهن إن شاء أحدكم اثنتين وإن شاء ثلاثا وإن شاء أربعا ﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ﴾ أي إن خفتم من عدم العدول بين الزوجات فالزموا الاقتصار على واحدة ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ أي اقتصروا على نكاح الإماء لملك اليمين إذ ليس لهن من الحقوق كما للزوجات ﴿ ذلك أدنى ألا تعولوا ﴾ أي ذلك الاقتصار على الواحدة أو على ملك اليمين أقرب ألا تميلوا وتجوروا ﴿ وآتوا النسآء صدقاتهن نحلة ﴾ أي أعطوا النساء مهورهن عطية عن طيب نفس ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ﴾ أي فإن طابت نفوسهن بهبة شيء من الصداق ﴿ فكلوه هنيئا مريئا ﴾ أي فخذوا ذلك الشيء الموهوب حلالا طيبا ﴿ ولا تؤتوا السفهآء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ﴾ أي لا تعطوا المبذرين من اليتامى أموالهم التي جعلها الله قياما للأبدان ولمعايشكم فيضيعوها قال ابن عباس: السفهاء هم الصبيان والنساء وقال الطبري: لا تؤت سفيها ماله وهو الذي يفسده بسوء تدبيره، صبيا كان أو رجلا، ذكرا كان أو أنثى ﴿ وارزقوهم فيها واكسوهم ﴾ أي أطعموهم منها واكسوهم ﴿ وقولوا لهم قولا معروفا ﴾ أي قولا لينا كقولكم إذا رشدتم سلمنا إليكم أموالكم ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح ﴾ أي اختبروا اليتامى حتى إذا بلغوا سن النكاح وهو بلوغ الحلم الذي يصلحون عنده للنكاح ﴿ فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ أي إن أبصرتم منهم صلاحا في دينهم ومالهم فادفعوا إليهم أموالهم بدون تأخير ﴿ ولا تأكلوهآ إسرافا وبدارا أن يكبروا ﴾ أي لا تسرعوا في إنفاقها وتبذروها قائلين ننفق كما نشتهي قبل ان يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا ﴿ ومن كان غنيا فليستعفف ﴾ أي من كان منكم غنيا أيها الأولياء فليعف عن مال اليتيم ولا يأخذ أجرا على وصايته ﴿ ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ﴾ أي ومن كان فقيرا فليأخذ بقدر حاجته الضرورية وبقدر أجرة عمله ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ﴾ أي فإذا سلمتم إلى اليتامى أموالهم بعد بلوغهم الرشد فأشهدوا على ذلك لئلا يجحدوا تسلمها ﴿ وكفى بالله حسيبا ﴾ أي كفى بالله محاسبا ورقيبا، ثم بين تعالى أن للرجال والنساء نصيبا من تركة الأقرباء فقال ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنسآء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ أي للأولاد والأقرباء حظ من تركة الميت كما للبنات والنساء حظ أيضا الجميع فيه سواء يستوون في أصل الوارثة وإن تفاوتوا في قدرها، وسببها أن بعض العرب كانوا لا يورثون النساء والأطفال وكانوا يقولون: إنما يرث من يحارب ويذب عن الحوزة فأبطل الله حكم الجاهلية ﴿ مما قل منه أو كثر ﴾ أي سواء كانت التركة قليلة أو كثيرة ﴿ نصيبا مفروضا ﴾ أي نصيبا مقطوعا فرضه الله بشرعه العادل وكتابه المبين ﴿ وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه ﴾ أي إذا حضر قسمة التركة الفقراء من قرابة الميت واليتامى والمساكين من غير الوارثين فأعطوهم شيئا من هذه التركة تطييبا لخاطرهم ﴿ وقولوا لهم قولا معروفا ﴾ أي قولا جميلا بأن تعتذروا إليهم أنه للصغار وأنكم لا تملكونه ﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم ﴾ نزلت في الأوصياء أي تذكر أيها الوصي ذريتك الضعاف من بعدك وكيف يكون حالهم وعامل اليتامى الذين في حجرك بمثل ما تريد أن يعامل به أبناؤك بعد فقدك ﴿ فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ﴾ أي فليتقوا الله في أمر اليتامى وليقولوا لهم ما يقولونه لأولادهم من عبارات العطف والحنان ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ﴾ أي يأكلونها بدون حق ﴿ إنما يأكلون في بطونهم نارا ﴾ أي ما يأكلون في الحقيقة إلا نارا تتأجج في بطونهم يوم القيامة ﴿ وسيصلون سعيرا ﴾ أي سيدخلون نارا هائلة مستعرة وهي نار السعير.

صفوة التفاسير · الصفحة ١٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ١٤٤