البلاغة: 1- تضمنت الآية من أنواع الفصاحة وضروب البلاغة أشياء منها " الطباق " في قوله ﴿ وإن تبدوا... أو تخفوه ﴾ وبين " يغفر " و " يعذب " ومنها الطباق المعنوي بين ﴿ كسبت ﴾ و ﴿ اكتسبت ﴾ لأن كسب في الخير واكتسب في الشر.
2- ومنها الجناس ويسمى جناس الاشتقاق في قوله ﴿ آمن... والمؤمنون ﴾.
3- ومنها الإطناب في قوله ﴿ لا نفرق بين أحد من رسله ﴾.
4- ومنها الإيجاز بالحذف في قوله ﴿ والمؤمنون ﴾ أي آمنوا بالله ورسله ومواضع أخرى.
فائدة: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه "
أخرجه البخاري وفي رواية لمسلم
" أن ملكا نزل من السماء فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: " أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفا منهما إلا أوتيته " ".
3 - سورة آل عمران
3.1-9
اللغة: ﴿ الحي ﴾ الباقي الدائم الذي لا يفنى ولا يموت ﴿ القيوم ﴾ القائم على تدبير شئون العباد ﴿ يصوركم ﴾ التصوير: جعل الشيء على صورة معينة أي يخلقكم كما يريد ﴿ الأرحام ﴾ جمع رحم وهو محل تكون الجنين ﴿ محكمات ﴾ المحكم: ما كان واضح المعنى قال القرطبي: " المحكم ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره، والمتشابه: ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر تعالى بعلمه دون خلقه مثل الحروف المقطعة في أوائل السور، هذا أحسن ما قيل فيه " ﴿ أم الكتاب ﴾ أصل الكتاب وأساسه وعموده ﴿ زيغ ﴾ ميل عن الحق يقال: زاغ زيغا أي مال ميلا ﴿ تأويله ﴾ التأويل: التفسير وأصله المرجع والمصير من قولهم آل الأمر إلى كذا إذا صار إليه ﴿ والراسخون ﴾ الرسوخ: الثبوت في الشيء والتمكن منه قال الشاعر:
لقد رسخت في القلب مني مودة
لليلى أبت أيامها أن تغيرا
سبب النزول: نزلت هذه الآيات في وفد نصارى نجران وكانوا ستين راكبا، فيهم أربعة عشر من أشرافهم ثلاثة منهم أكابرهم " عبد المسيح " أميرهم و " الأيهم " مشيرهم و " أبو حارثة بن علقمة " حبرهم، فقدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فتكلم منهم أولئك الثلاثة معه فقالوا تارة عيسى هو " الله " لأنه كان يحيي الموتى، وتارة هو " ابن الله " إذ لم يكن له أب، وتارة إنه " ثالث ثلاثة " لقوله تعالى " فعلنا وقلنا " ولو كان واحدا لقال " فعلت وقلت " فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يموت!! قالوا: بلى، قال ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه!! قالوا بلى، قال ألستم تعلمون أن ربنا قائم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه فهل يملك عيسى شيئا من ذلك؟ قالوا: لا، قال ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهل يعلم عيسى شيئا من ذلك إلا ما علم؟ قالوا: لا، قال ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث وأن عيسى كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث!! قالوا بلى فقال صلى الله عليه وسلم فكيف يكون كما زعمتم؟ فسكتوا وأبوا إلا الجحود فأنزل الله من أول السورة إلى نيف وثمانين آية.
التفسير: ﴿ الم ﴾ إشارة إلى إعجاز القرآن وأنه منظوم من أمثال هذه الحروف الهجائية وقد تقدم في أول البقرة ﴿ الله لا إله إلا هو ﴾ أي لا رب سواه ولا معبود بحق غيره ﴿ الحي القيوم ﴾ أي الباقي الدائم الذي لا يموت، القائم على تدبير شئون عباده ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق ﴾ أي نزل عليك يا محمد القرآن بالحجج والبراهين القاطعة ﴿ مصدقا لما بين يديه ﴾ أي من الكتب المنزلة قبله المطابقة لما جاء به القرآن ﴿ وأنزل التوراة والإنجيل * من قبل هدى للناس ﴾ أي أنزل الكتابين العظيمين " التوراة " و " الإنجيل " من قبل إنزال هذا القرآن هداية لبني إسرائيل ﴿ وأنزل الفرقان ﴾ أي جنس الكتب السماوية لأنها تفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، وقيل: المراد بالفرقان القرآن وكرر تعظيما لشأنه ﴿ إن الذين كفروا بآيات الله ﴾ أي جحدوا بها وأنكروها وردوها بالباطل ﴿ لهم عذاب شديد ﴾ أي عظيم أليم في الآخرة ﴿ والله عزيز ذو انتقام ﴾ أي غالب على أمره لا يغلب، منتقم ممن عصاه ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السمآء ﴾ أي لا يغيب ولا يغرب عن علمه أمر من الأمور، فهو مطلع على كل ما في الكون لا تخفى عليه خافية ﴿ هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء ﴾ أي يخلقكم في أرحام أمهاتكم كما يشاء من ذكر وأنثى، وحسن وقبيح ﴿ لا إله إلا هو العزيز الحكيم ﴾ أي لا رب سواه، متفرد بالوحدانية والألوهية، العزيز في ملكه الحكيم في صنعه، وفي الآية رد على النصارى حيث ادعوا ألوهية عيسى فنبه تعالى بكونه مصورا في الرحم، وأنه لا يعلم الغيب على أنه عبد كغيره من العباد ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب ﴾ أي أنزل عليك يا محمد القرآن العظيم ﴿ منه آيات محكمات هن أم الكتاب ﴾ أي فيه آيات بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها ولا غموض كآيات الحلال والحرام، هن أصل الكتاب وأساسه ﴿ وأخر متشابهات ﴾ أي وفيه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس، فمن رد المتشابه إلى الواضح المحكم فقد اهتدى، وإن عكس فقد ضل ولهذا قال تعالى ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ﴾ أي فأما من كان في قلبه ميل عن الهدى إلى الضلال فيتبع المتشابه منه ويفسره على حسب هواه ﴿ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ﴾ أي طلبا لفتنة الناس في دينهم، وإيهاما للأتباع بأنهم يبتغون تفسير كلام الله، كما فعل النصارى الضالون حيث احتجوا بقوله تعالى في شأن عيسى